مقال

حين تُختبر قيمة الإنسان


بقلم : رجب كمال
ليس كل من علا شأنه عظيمًا، ولا كل من اتسعت ثروته كريمًا، ولا كل من أحاطت به الجموع جديرًا بالمهابة. فالمناصب تُستعار، والثروات تتداولها الأيدي، والنفوذ رهينُ زمنٍ قد يطول أو يقصر، أما القيمة الإنسانية فهي الحقيقة الوحيدة التي لا تُستعار، ولا تُشترى، ولا تُورث.


إن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك، بل بما يكون. تُقاس بصفاء ضميره، ونبل خلقه، وثبات مبدئه، وعدالة مواقفه، ورحمته بالناس، وقدرته على أن يترك في الأرواح أثرًا أجمل من حضوره، وفي الذاكرة سيرةً أنقى من اسمه.


كم من صاحب سلطانٍ تهاوى ذكره يوم سقط كرسيه، وكم من إنسانٍ بسيطٍ بقي حيًّا في القلوب لأن أخلاقه كانت أعظم من كل لقب، ولأن سيرته كانت أرفع من كل منصب. فالناس لا تحفظ عدد ما جمعت، وإنما تحفظ كيف عشت بينهم، وكيف أنصفت، وكيف أحسنت، وكيف صنت كرامة الآخرين.


إن أعظم استثمارٍ في الحياة ليس جمع المال، بل بناء الإنسان. وأغلى ميراثٍ يتركه المرء ليس عقارًا ولا حسابًا مصرفيًا، وإنما سيرةٌ طيبة، وذكرٌ حسن، وقيمٌ راسخة، ومواقفُ لا تنحني أمام المصلحة، ولا تساوم على الكرامة.


فاجعل لنفسك قيمةً لا تتبدل بتبدل الأحوال، ولا ترتفع بارتفاع المنصب، ولا تنخفض بانخفاض الرصيد. كن صاحب مبدأٍ إذا تبدلت الوجوه، وصاحب خلقٍ إذا تغيرت المصالح، وصاحب أثرٍ إذا غاب الجسد. فالأيام تُسدل الستار على كل شيء، إلا على الأخلاق؛ فهي وحدها تبقى شاهدةً لصاحبها، تنطق باسمه حين يصمت الجميع، وتمنحه من الخلود في ضمائر الناس ما لا تمنحه كنوز الأرض ولا أوسمة الدنيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى