مقال

الليث ابن سعد …بقاء الإمام واندثار المذهب


بقلم :
د كامل عبد القوى النحاس

في تاريخ العلم رجالٌ إذا رحلوا بقيت كتبهم، ورجالٌ إذا ماتوا بقيت مدارسهم، ورجالٌ آخرون يرحلون فتتبعثر بعض آثارهم، لكن أسماءهم تظل واقفة في ذاكرة العلم كأن الزمن عجز عن محوها.

ومن هؤلاء الإمام الليث بن سعد.

كان إمام مصر وفقيهها ومحدثها، وأحد كبار أئمة القرن الثاني الهجري، حتى روي عن الإمام الشافعي قوله: «الليث أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به».

قد تبدو العبارة لأول وهلة شهادة في المفاضلة بين إمامين، لكنها في حقيقتها تفتح بابًا أوسع وأشد إثارة:

كيف يبقى الإمام ويضيع مذهبه؟

وكيف يمكن لعالم بلغ هذه المنزلة أن لا يترك وراءه مدرسة فقهية ممتدة، بينما بقيت مذاهب أخرى حتى يومنا هذا؟

هنا تبدأ قصة الليث.
من قلقشندة إلى إمامة مصر
ولد الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، أبو الحارث، سنة 94هـ على المشهور، في قلقشندة من أعمال مصر، ونشأ في أرض كانت قد بدأت تكتسب مكانتها في الحياة العلمية الإسلامية.

لم يكن طريقه إلى الإمامة قصيرًا.

رحل في طلب العلم، وسمع من كبار علماء عصره، ومن أشهر شيوخه الزهري، ونافع، وعطاء بن أبي رباح، وأبي الزبير المكي وغيرهم.
وتذكر الروايات أنه سمع من الزهري بمكة سنة 113هـ، وهو في نحو العشرين من عمره.

كان الشاب المصري إذن يطرق أبواب كبار العلماء في الحجاز، ويحمل عنهم الحديث والفقه، ثم يعود إلى مصر لا ليكون مجرد ناقل لما سمع، وإنما ليصنع لنفسه شخصية علمية مستقلة.

وهنا كانت بداية الليث الذي سيعرفه التاريخ.

لم يكن ابن مدرسة واحدة بالمعنى الضيق، ولم يحبس نفسه في حدود بلد أو شيخ؛ بل اتسع أفقه بقدر ما اتسعت رحلته، فاجتمع له الحديث والفقه، والرواية والنظر، والنص والواقع.

وكان ذلك من أسرار قوته.
فقيه لا يكتفي بأن يعرف النص
كان الليث محدثًا كبيرًا، لكنه لم يكن مجرد حافظ للروايات.

كان يعرف أن النص لا يعيش في الكتب وحدها، وأن الفقه ليس جمعًا للأحاديث فحسب، وإنما هو القدرة على فهم النصوص، والجمع بينها، ومعرفة دلالاتها، وتنزيل أحكامها على الوقائع.

ولهذا جاءت له اختيارات فقهية مستقلة، وخالف غيره من الأئمة في مسائل كثيرة، ولم يكن يرى في اختلاف الاجتهاد نقصًا في العلم.
كان يأخذ من شيوخه، لكنه لا يذوب فيهم.

يحفظ ما تلقاه، ثم ينظر فيه.

ويعرف قول الإمام، ثم يسأل: وما دليله؟ وما وجهه؟ وكيف ينزل على واقع الناس؟

وهكذا تحول العلم عنده من محفوظات إلى اجتهاد.

ومن هنا نفهم لماذا كان الليث واحدًا من كبار أئمة عصره، لا مجرد واحد من رواته.

الليث ومالك… إمامان في زمن واحد
كان بين الليث ومالك بن أنس اتصال علمي ومراسلات ومناقشات، وكان كل واحد منهما يعرف قدر الآخر.

وهذا من أجمل المشاهد في تاريخ الفقه الإسلامي؛ إذ لم يكن الاختلاف الفقهي يعني بالضرورة خصومة، ولم تكن إمامة أحدهما تستوجب إسقاط الآخر.

كان مالك إمام المدينة، وكان الليث إمام مصر.
وكان لكل منهما أدواته العلمية، وبيئته، واجتهاده.
ولهذا فإن العبارة المنسوبة إلى الشافعي ينبغي أن تقرأ في سياقها العلمي، لا بوصفها دعوة إلى معركة بين محبي الليث ومحبي مالك.
فالمغزى الأعمق ليس: من انتصر في المفاضلة؟
بل:
لماذا بقي علم أحدهما في صورة مذهب، بينما تفرق علم الآخر في بطون الكتب؟

والسؤال هنا ينتقل من عبقرية الإمام إلى قدرة المدرسة على البقاء.

كان الليث أكبر من أن يكون فقيه كتب
لم يكن نفوذ الليث في مصر نفوذ عالم يجلس في مجلسه ثم ينصرف الناس.
كان حاضرًا في حياة المجتمع، يرجع إليه العلماء والولاة والقضاة، ويستشيرونه، ويعرف الناس مكانته.

وكان إلى جانب علمه صاحب مال وكرم وسخاء، حتى ارتبطت سيرته في كتب التراجم بصورة العالم الذي لم يحبس علمه عن الناس، ولم يحبس ماله عن المحتاجين.

لقد جمع بين الدين والدنيا بمعناهما الأخلاقي: علمٌ واسع، ومكانةٌ اجتماعية، ويدٌ مبسوطة بالعطاء.

ولذلك كان رحيله سنة 175هـ أكثر من وفاة فقيه؛ كان رحيل مرجع علمي واجتماعي كبير عن مصر.
لكن المأساة الحقيقية لم تبدأ يوم مات الليث.
لقد بدأت بعد موته.

ماذا بقي من كتبه؟

هنا يواجه الباحث مشكلة لا يمكن تجاوزها.
فالليث كان صاحب علم غزير، لكننا لا نملك اليوم كتابًا فقهيًا جامعًا من تصنيفه يضع مذهبه أمامنا في صورته الكاملة، كما هو الحال في مدارس فقهية أخرى.

وقد ذكرت المصادر عددًا من المصنفات والرسائل المنسوبة إليه، كما بقيت له رسائل ومرويات وأجزاء، لكن الذي وصل إلينا لا يمثل البناء المذهبي الكامل الذي كان يمكن أن يكشف أصول مذهبه وفروعه في نسق متصل.

وهنا ينبغي أن نفرق بين أمرين:

ضياع الكتاب لا يعني ضياع العلم كله، وضياع المذهب لا يعني أن الإمام لم يكن صاحب مذهب.

لقد بقيت أقوال الليث وفتاواه ومروياته في كتب الحديث والفقه والتراجم والخلاف، وبقيت آراؤه مادة يستفيد منها الفقهاء.

لكن ما لم يبق هو ذلك النسيج المتكامل الذي يحول آراء الإمام إلى «مدرسة» لها أصول وفروع، وتلاميذ، وطبقات، وكتب، واستمرار.

وهنا تكمن الحكاية كلها.

لماذا خسر الليث مذهبه؟

الإجابة الأسهل أن نقول: لأن أصحابه لم يقوموا به.

وهي إجابة لها أصل قوي في التراث، لكن التاريخ أكثر تعقيدًا من جملة واحدة.
فالمذهب لا يعيش بالإمام وحده.

الإمام يؤسس، لكن التلميذ يحمل.

والتلميذ يحمل، لكن الكتاب يوثق.

والكتاب يوثق، لكن المدرسة تشرح.

والمدرسة تشرح، ثم تأتي أجيال جديدة تتلقى وتضيف وتناقش وتنشر.

فإذا انقطعت إحدى هذه الحلقات، أصبح العلم أكثر عرضة للتفرق.

وقد ذهب من تناولوا قضية الليث إلى أن عدم نهوض أصحابه بتدوين مذهبه وأصوله وفروعه ونشره كان من أهم أسباب اندثاره، وأن شهرة الإمام في حياته ربما جعلت بعض أصحابه يعتمدون على حضور علمه بدل أن يسارعوا إلى حفظه في مدونة مستقلة.

وهنا تظهر المفارقة المؤلمة:
كان الليث مشهورًا في حياته إلى الحد الذي ربما جعلهم يظنون أن علمه لن يضيع.

لكن العلم لا يحميه مجد صاحبه وحده.
العلم يحتاج إلى ذاكرة.
التلاميذ… الحلقة التي صنعت الفرق
لم يكن تلاميذ الليث بالضرورة أقل علمًا أو أقل وفاءً لشيخهم، ولا يصح اختزال القضية في اتهامهم بالتقصير الشخصي.

المشكلة أعمق.

كان ينبغي أن تتحول أقوال الإمام المتفرقة إلى مدونة، وأن تُرتب مسائله، وتجمع فتاواه، وتستخرج قواعده، ثم تنتقل إلى طبقة جديدة من العلماء.

وهذا هو الفرق بين علم الإمام والمذهب.
علم الإمام قد يكون عظيمًا.
أما المذهب فهو مشروع جماعي.

وإذا لم يتحول العلم الفردي إلى مشروع جماعي، فإن موت الإمام قد يكون بداية تراجع المدرسة.

وهذا ما يبدو أنه حدث في الحالة الليثية.

ثم جاءت الجغرافيا… وبدأت الخريطة تتغير
كان الليث سيد مصر في حياته، لكن مصر لم تكن أرضًا مغلقة على مدرسة واحدة.

كانت ملتقى للعلماء والمذاهب والاتجاهات.
ثم جاء الإمام الشافعي إلى مصر سنة 199هـ، بعد وفاة الليث بنحو أربعة وعشرين عامًا، فوجد بيئة علمية واسعة، وكان يعرف قدر الليث وفقهه.

لم يأت الشافعي ليعلن أن الليث لم يكن شيئًا.

بل على العكس، بقيت منزلة الليث حاضرة في الوعي العلمي للشافعي.

لكن الشافعي امتلك مشروعًا مذهبيًا استطاع أن يتطور ويتوارثه العلماء، وامتلكت مدرسته بعد ذلك تلاميذ ومصنفات وطبقات من الفقهاء.

وهنا دخل عامل جديد في صناعة التاريخ:
ليست المسألة دائمًا من كان أعلم، وإنما من استطاع أن يجعل علمه قابلًا للانتقال عبر الأجيال.

وهذه قاعدة تكاد تكون من أهم قواعد بقاء المدارس الفكرية.

المذهب لا يموت لأن إمامه ضعيف
وهنا ينبغي أن نتوقف.
فلو كان بقاء المذهب دليلًا قطعيًا على قوة صاحبه، لكان كل إمام بقي مذهبه أعلم من كل إمام اندثر مذهبه.

وهذا لا يقول به التحقيق.
لقد عرف التاريخ الإسلامي مذاهب ومدارس لعلماء كبار، ثم تراجع كثير منها أو اندثر، بينما بقيت مدارس أخرى.

الأوزاعي كان إمامًا.
والثوري كان إمامًا.
والليث كان إمامًا.
والطبري كان إمامًا.
لكن التاريخ لم يحتفظ بمذاهبهم بالصورة التي احتفظ بها بالمذاهب الأربعة.

إذن لا يكفي أن يكون العالم عظيمًا.

لابد أن تكون وراءه آلة معرفية تحفظ عظمته.
تلاميذ.
كتب.
مدارس.
أجيال.
ومؤسسات.
فالتاريخ لا يحفظ الأفكار فقط، بل يحفظ طرق انتقالها.

الليث الذي بقي بعد أن مات مذهبه
وهنا نصل إلى المفارقة التي تجعل قصة الليث مختلفة عن مجرد قصة مذهب منقرض.

لقد مات المذهب، لكن الإمام لم يمت في ذاكرة العلم.
بقي اسمه في كتب الحديث.

وبقيت فتاواه في كتب الفقه.

وبقيت مناقشاته مع مالك.
وبقيت شهادات الأئمة له.
وبقيت شخصيته نموذجًا للعالم الذي جمع بين الفقه والحديث، وبين الاجتهاد وخدمة المجتمع، وبين العلم والكرم.

بل إن مجرد بقاء السؤال: «لماذا اندثر مذهب الليث؟» بعد أكثر من ثلاثة عشر قرنًا يكشف أن صاحبه لم يكن هامشيًا في تاريخ الفقه.

فالعلماء الصغار لا يحتاج التاريخ إلى تفسير اختفائهم.

أما الليث، فقد أصبح اختفاء مذهبه نفسه سؤالًا يستحق البحث.

لماذا بقي مذهب مالك والليث لم يبق مذهبه؟

ربما هنا تبلغ القصة ذروتها.

كان الرجلان متعاصرين.
وكانا من كبار أئمة الفقه.
وكان بينهما قدر كبير من التقدير المتبادل.

لكن أحدهما ترك وراءه مدرسة أصبحت واحدة من المذاهب الكبرى، والآخر ترك تراثًا علميًا واسعًا تفرق في الكتب.

الفارق إذن لم يكن في العلم وحده.
كان في صناعة الاستمرار.

مالك وجد تلاميذ حملوا مذهبه، وجاء التدوين مبكرًا، ثم توالت طبقات العلماء الذين شرحوا وحرروا ورجحوا.

أما الليث فلم يتشكل حول مذهبه البناء المتصل نفسه.
وهكذا انتصر الزمن للمدرسة التي امتلكت قدرة أكبر على إعادة إنتاج نفسها.

وهذه ليست شهادة على «الأفضلية المطلقة»، وإنما شهادة على قوة المؤسسة العلمية في صناعة التاريخ.
وماذا تعلمنا قصة الليث؟
ربما لم يكن الليث بحاجة إلى من يمدحه بعد ألف وثلاثمائة عام.

لكننا نحن بحاجة إلى أن نتعلم من قصته.

فالتراث لا يحفظه الإعجاب.
ولا تحميه الشهرة.
ولا تكفي عظمة صاحبه.
العلم يحتاج إلى من يكتبه.
وما يُكتب يحتاج إلى من يدرسه.

وما يُدرس يحتاج إلى من يعلّمه.

وما يُعلّم يحتاج إلى أجيال تتلقاه وتضيف إليه.
ومن هنا فإن مأساة الليث ليست أن مذهبًا اختفى.

المأساة أن جزءًا من عقل الأمة الفقهي لم يجد الطريق الآمن إلى الأجيال اللاحقة.
وربما لهذا تظل قصة الليث بن سعد أكبر من قصة إمام عاش في القرن الثاني الهجري.

إنها قصة الذاكرة العلمية نفسها.

قصة ما يبقى وما يضيع.
قصة العلم حين يكون حيًا في صاحبه، ثم يحتاج بعد رحيله إلى أمة تحمل أمانته.

لقد خسر الليث مذهبه…
لكنه لم يخسر مكانته.
وبقي اسمه شاهدًا على حقيقة قد تبدو قاسية، لكنها من أكثر حقائق التاريخ العلمي صدقًا:
ليس كل ما هو عظيم يبقى، وليس كل ما بقي هو الأعظم؛ فبين عظمة العلم وبقاء العلم جسر اسمه التدوين، ويحرسه التلاميذ، وتعبُر عليه الأجيال.

وهذا هو الدرس الذي تركه الليث لنا.

فالإمام يرحل…
أما العلم، فلا يموت إلا إذا عجزت الأمة عن حمله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى