القبرالفارغ

القبر الفارغ
بقلم نيفين صلاح
القبر الفارغ ليس مجرد حفرة في الأرض بل حقيقة تنتظر كل إنسان مهما طال به العمر أو علت مكانته وحين يأتي الرحيل يعود الأهل إلى بيوتهم وتستمر الحياة ويبقى الإنسان بين يدي الله بما قدمت يداه وهنا يفرض السؤال نفسه هل استثمرنا أعمارنا فيما ينفعنا أم استهلكتنا مشاغل الدنيا حتى نسينا أن لكل رحلة نهاية
إن تذكر الموت ليس دعوة إلى الخوف من الحياة وإنما فرصة لمراجعة النفس وترتيب الأولويات فالدنيا مهما اتسعت لا تستحق أن نخسر من أجلها ضمائرنا أو نظلم غيرنا أو نهدر أعمارنا في الخصومات والحقد فكم من خلاف طال سنوات كان يمكن أن ينتهي بكلمة طيبة وكم من صلة رحم انقطعت بسبب عناد وكم من إنسان رحل قبل أن يصلح ما أفسده أو يعتذر عمن أخطأ في حقه
والاستعداد للآخرة لا يحتاج إلى أعمال عظيمة في ظاهرها بقدر ما يحتاج إلى إخلاص في النية وصدق في العمل فركعة تؤدى بخشوع واستغفار صادق وصدقة تصل إلى محتاج وكلمة تجبر خاطر إنسان ومساعدة تقدم دون انتظار مقابل كلها أبواب للخير وقد قال الله تعالى في سورة البقرة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله
ويأتي الإنفاق في سبيل الله من أعظم صور العطاء فقد قال سبحانه في سورة البقرة الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون
فالصدقة ليست في كثرة المال وحدها وإنما في صدق العطاء وحفظ كرامة المحتاج وليس الخير مقصورا على المال فقد يكون في رعاية مريض أو مساندة أسرة أو إصلاح بين متخاصمين أو كلمة صادقة تعيد الأمل إلى قلب أنهكه التعب
ولا يكتمل الاستعداد للآخرة بالعبادة وحدها إذا لم يظهر أثرها في سلوك الإنسان وأخلاقه فالأمانة في العمل عبادة وبر الوالدين وصلة الرحم من أبواب الخير والابتعاد عن الظلم والغيبة والنميمة من علامات مراقبة الله والصحبة الصالحة تعين المرء على الاستقامة وتذكره حين يغفل وتسانده حين تضعف عزيمته
أما الخوف من المرض أو ضيق الرزق أو فقد الأحبة فهو شعور إنساني لا ينافي الإيمان لكن الإيمان يمنح صاحبه القدرة على مواجهة الشدائد بالصبر والدعاء والعمل وحسن الظن بالله وليس المطلوب أن نعيش أسرى لفكرة الموت بل أن نجعلها دافعا لإصلاح حياتنا ورد الحقوق والتوبة عن الأخطاء وعدم تأجيل الخير
إن القبر الفارغ لا نملؤه بأثاث الدنيا ولا بما جمعناه من متاعها وإنما نستعد له بما نقدمه من عمل صالح وبما نتركه خلفنا من أثر طيب وذكرى حسنة وقلوب تدعو لنا بعد الرحيل فالسؤال ليس كم جمعنا في حياتنا وإنما ماذا قدمنا وكيف عاملنا الناس وهل كنا سببا في تخفيف آلامهم أم زيادة أعبائهم
فلنغتنم ما بقي من أعمارنا ولنبدأ بما نستطيع دون تأجيل ولنصلح ما بيننا وبين الله وما بيننا وبين الناس ولنجعل للصدقة مكانا في حياتنا وللذكر نصيبا من أوقاتنا وللرحمة حضورا في معاملاتنا فالأيام تمضي ولا يعلم أحد متى تنتهي فرصته في العمل ويبقى رجاؤنا في رحمة الله ومغفرته
وفي ختام الحديث عن القبر والاستعداد للقاء الله لا ننسى الصلاة على من أخرجنا الله به من الظلمات إلى النور وعلى من علمنا الرحمة وحسن الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي أمرنا الله بالصلاة والسلام عليه فقال سبحانه إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما
أكثر من الصلاة على النبي محمدا
يأتي شفيعا في كل مرقدا
يا رب إنا قد أتينـا بابك
نرجو رضاك وعفوك الممدودا
إن القبور وإن تطاول صمتها
يبقى لنا عمل نراه مشهودا
فاز الذي زرع المحبة والتقى
وجعل رضا الرحمن فيه مقصودا
لا المال يبقى في الحياة ولا الغنى
يبقى من الإنسان إلا ما غدا
فارحم إلهي من مضى من أهلنا
واجعل نعيم القبر فيهم أخالدا
واكتب لنا عند الرحيل بشارة
واجعل ختام العمر ذكرا حميدا
اللهم صل على النبي محمد
عدد ما لاح فجر أو ترنم منشدا
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وارزقنا حسن الخاتمة واغفر لنا ولموتانا وموتى المسلمين واجعل قبورنا روضة من رياض الجنة واجعل خير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم نلقاك



