الصراع بين المصالح والهويات فى الطائفية السياسية فى منطقة الشرق المضطربة
بقلم: الأديب المفكر
د. كامل عبد القوي النحاس
الافتتاحية
في نقد العقل الوظيفي
هل الصراع الذي يعصف بشرقنا هو صراع مآذن ومذاهب، أم صراع خرائط ومكاسب؟
ذلك السؤال ليس مجرد مدخل بل مفتاح قراءة كامل للمشهد الإقليمي.
فالعقل السياسي العربي المعاصر كثيرًا ما وقع في فخ ما يمكن تسميته العقل الوظيفي؛
أي ذلك العقل الذي يتعامل مع الظواهر كما تُقدَّم له، لا كما تُصنع في غرف التخطيط الاستراتيجي.
إن أخطر ما أصاب الوعي العربي في العقود الأخيرة هو الخلط بين الدين كهوية روحية، والطائفية كأداة سياسية.
فالدين في جوهره قوة جامعة، بينما الطائفية السياسية صناعة حديثة تُستدعى من بطون التاريخ حين تقتضي الحاجة تعبئة الجماهير في صراعات تخدم مصالح لا علاقة لها بالمذهب ولا بالعقيدة.
لقد أُعيد إحياء خلافات تاريخية ظلت قرونًا حبيسة الكتب، لتتحول فجأة إلى وقود لحروب معاصرة. ولم يكن ذلك وليد الصدفة، بل جزءًا من هندسة صراع إقليمي تهدف إلى تفكيك المجال العربي والإسلامي إلى كيانات متناحرة،
بحيث ينشغل كل طرف بخصمه الداخلي، بينما تبقى موازين القوة الحقيقية خارج دائرة المواجهة.
وهكذا لم تعد الطائفية مجرد انقسام اجتماعي، بل تحولت إلى سلاح وظيفي لإدارة الصراع وإعادة رسم خرائط النفوذ.
هندسة التفكيك
وكيف تحولت الطائفية إلى أداة استراتيجية؟
لم تكن الطائفية في تاريخ المنطقة عائقًا جوهريًا أمام التعايش.
فالمشرق العربي ظل قرونًا طويلة فضاءً متعدد المذاهب والأديان دون أن يتحول هذا التعدد إلى حروب وجودية.
لكن التحولات الكبرى في النظام الدولي بعد الحرب الباردة كشفت عن نمط جديد من إدارة الصراع:
وهو تفكيك الدول من الداخل بدل مواجهتها من الخارج.
فبدل الحروب الكلاسيكية المباشرة، أصبح بالإمكان إشعال صراعات هوية طويلة الأمد تؤدي تدريجيًا إلى النتيجة نفسها: إضعاف الدولة الوطنية وتحطيم قدرتها على اتخاذ قرار سيادي مستقل.
وقد تجلت هذه الاستراتيجية في عدة نماذج واضحة في المنطقة.
لبنان
المختبر الأول للطائفية السياسية
يعد لبنان أحد أقدم النماذج التي تم فيها تقنين الطائفية داخل بنية الدولة.
فمنذ نشأة النظام السياسي اللبناني، توزعت السلطة وفق محاصصة طائفية دقيقة بين المكونات الدينية.
وقد بدا هذا النظام في ظاهره صيغة للتوازن والتعايش، لكنه في العمق جعل الدولة رهينة توازنات هشة قابلة للانفجار عند أي تغير سياسي أو إقليمي.
وقد تجلى ذلك بوضوح في الحرب الأهلية اللبنانية (1975–1990)، حين تحولت الطوائف إلى كيانات مسلحة، وأصبحت البلاد ساحة مفتوحة لتدخلات إقليمية ودولية متشابكة.
ورغم أن اتفاق الطائف عام 1989 أنهى الحرب رسميًا، فإنه لم يُلغِ الطائفية السياسية، بل أعاد تنظيمها داخل بنية الحكم.
وهكذا بقيت الدولة اللبنانية محكومة بمنطق توازن الطوائف لا بمنطق الدولة السيادية.
العراق وسوريا
تفتيت الجيوش وتحويل الدولة إلى مكونات
إذا كان لبنان مختبر الطائفية السياسية، فإن العراق بعد عام 2003 يمثل التطبيق الأكثر وضوحًا لاستراتيجية تفكيك الدولة من الداخل.
فقرار الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر بحل الجيش العراقي عام 2003 لم يكن مجرد إجراء إداري، بل كان ضربة استراتيجية استهدفت العمود الفقري للدولة العراقية. فالجيوش الوطنية كانت تاريخيًا أحد أهم عوامل تماسك الدولة.
وبمجرد انهيار هذه المؤسسة، تحولت الدولة إلى فسيفساء من المكونات الطائفية والإثنية المتصارعة.
وفي سوريا،
ومع اندلاع الأزمة عام 2011، تم استدعاء خطاب طائفي عابر للحدود حوّل الصراع من أزمة سياسية داخلية إلى حرب استنزاف إقليمية متعددة المستويات.
وهكذا تحققت النتيجة نفسها:
تحويل الجيوش الوطنية من أدوات دفاع خارجي إلى أطراف في صراعات داخلية.
إيران
بين الفزاعة الطائفية وحسابات الجغرافيا السياسية
في قلب هذا المشهد المعقد تظهر إيران كأحد أبرز الفاعلين الإقليميين، لكن التعامل معها في الخطاب العربي كثيرًا ما يتم عبر العدسة الطائفية وحدها.
غير أن هذا التبسيط يتجاهل أن الصراع معها يرتبط أساسًا بمعادلات النفوذ الإقليمي وتوازنات القوة. فإيران، بحكم موقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية، تمثل عنصرًا مؤثرًا في معادلة الأمن الإقليمي.
ولهذا تُستخدم الفزاعة الطائفية في بعض الأحيان لعزلها سياسيًا عن محيطها العربي والإسلامي، بينما يتم تجاهل هذه الطائفية نفسها عندما تتطلب إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية ذلك.
وهنا تتكشف المفارقة:
الطائفية تُستدعى حين تخدم الاستقطاب، وتُغيب حين تعرقل إعادة تشكيل التحالفات.
اتساع رقعة التفكيك
من الطائفية المذهبية إلى الطائفية القبلية
لم يتوقف استخدام أدوات التفكيك عند حدود المشرق المذهبي، بل امتد إلى دول يغلب عليها التجانس الديني.
في اليمن،
تحولت أزمة سياسية معقدة إلى حرب استنزاف طويلة، رغم أن المجتمع اليمني ظل قرونًا قادرًا على التعايش بين مذاهبه المختلفة.
وفي ليبيا
بعد تدخل حلف الناتو عام 2011، انهارت مؤسسات الدولة سريعًا، لتدخل البلاد مرحلة من الصراع بين الميليشيات والمناطق والقبائل.
أما السودان
فقد شهد سلسلة من الصراعات انتهت بانفصال الجنوب عام 2011، في واحدة من أخطر عمليات إعادة رسم الحدود في المنطقة.
هذه النماذج تؤكد أن الآلية واحدة:
حين لا تنجح الطائفية المذهبية، يتم استدعاء الطائفية القبلية أو المناطقية.
فلسطين
المسطرة التي تكشف الزيف
وسط هذا المشهد المتشابك تبقى فلسطين المعيار الأكثر وضوحًا لفهم طبيعة الاصطفافات في المنطقة.
فالقضية الفلسطينية تكشف أن معيار التحالف الحقيقي ليس المذهب ولا الهوية الضيقة، بل الموقف من الاستعمار والهيمنة.
فالفصائل الفلسطينية تنتمي في غالبيتها إلى البيئة السنية، ومع ذلك تتلقى دعمًا من قوى تنتمي إلى مذاهب مختلفة. ولو كان الصراع طائفيًا خالصًا لما حدث هذا التقاطع.
وفي المقابل، نجد أن بعض الدول التي ترفع شعار مواجهة الطائفية لم تتردد في الانخراط في مسارات تطبيع مع الاحتلال.
وهكذا تصبح فلسطين المسطرة السياسية والأخلاقية التي يمكن عبرها قياس صدق الشعارات.
مصر
محاولة الاستنزاف وكسر الدولة الصلبة
في قلب النظام الإقليمي تقف مصر بوصفها أحد أهم مراكز الثقل العربي.
فالدولة التي يتجاوز سكانها المئة مليون، وتتحكم في شريان عالمي كقناة السويس، وتملك تاريخًا طويلًا من التأثير السياسي والثقافي، لا يمكن أن تبقى خارج حسابات إعادة تشكيل المنطقة.
ولهذا تعرضت مصر عبر العقود الماضية لمحاولات متعددة من الاستنزاف الجيوسياسي، سواء عبر الحروب التي خاضتها دفاعًا عن استقلالها القومي، أو عبر موجات الاضطراب السياسي التي حاولت تحويل لحظات التحول الداخلي إلى بوابات للفوضى.
غير أن العامل الحاسم في الحالة المصرية كان دائمًا تماسك النسيج الوطني.
فعلى الرغم من محاولات إثارة النعرات الطائفية، بقيت الهوية المصرية الجامعة أقوى من تلك المحاولات.
وقد أدركت الدولة المصرية أن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول في لحظات التحول هو الانزلاق إلى صراعات الهوية.
ولذلك اتجهت السياسات الوطنية إلى ترسيخ مفهوم الدولة الصلبة القادرة على حماية وحدة أراضيها وصيانة استقرارها الداخلي.
وفي هذا السياق برزت سياسة واضحة تقوم على الخطوط الحمراء السيادية في ما يتعلق بأمن الحدود ووحدة الأراضي، وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا لطبيعة الصراعات التي تُدار في المنطقة.
المستفيد الصامت
تفكك المجال العربي وتوازن القوة الإقليمي
في خضم هذه الصراعات المتشابكة يبرز سؤال استراتيجي لا يمكن تجاهله:
من المستفيد من تفكك المجال العربي؟
إن تفتيت الدول إلى كيانات ضعيفة ومتخاصمة يخلق بيئة إقليمية جديدة تتراجع فيها مراكز القوة التقليدية، وتصبح فيها الدول الكبرى في المنطقة أقل قدرة على تشكيل توازن جماعي.
وفي مثل هذا المشهد تصبح الهيمنة الاستراتيجية أكثر سهولة، إذ تتحول المنطقة إلى فضاء مفتوح للتدخلات الخارجية والتحالفات المتغيرة.
وهكذا فإن تفكيك الدول ليس مجرد نتيجة عرضية للصراعات، بل جزء من إعادة تشكيل ميزان القوة في الشرق الأوسط.
الخاتمة
الانتحار السيادي
إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه المجتمعات هو الانغلاق داخل هويات ضيقة تختزل السياسة والاقتصاد والجغرافيا في صراع مذهبي أو قبلي.
فالطائرات التي تدمر المدن لا تسأل عن المذهب، والموارد التي تُنهب لا تميز بين الطوائف.
إن الانقسام الطائفي ليس قدرًا تاريخيًا، بل صناعة سياسية يمكن تفكيكها حين يمتلك المجتمع وعيه الاستراتيجي.
والطريق إلى ذلك يبدأ بإعادة ضبط البوصلة:
بوصلة المصالح المشتركة والسيادة الوطنية والوعي بأن مصير شعوب المنطقة مترابط أكثر مما يُتصور.
وفي هذا السياق تبقى بوصلة القدس هي المعيار الأصدق لتمييز الاتجاهات؛ فما يقود إليها مشروع تحرر، وما يبتعد عنها غالبًا مجرد سراب طائفي صُنِع ليحرق الجميع.


