الراتب انتهى… والوجع لم ينتهِ!

بقلم: نسرين سمير حسن
في السادسة صباحًا، خرج الحاج “سيد” من منزله يحمل بطاقة صرف المعاش في جيب، وروشتة علاج في الجيب الآخر. لم يكن يفكر في شراء شيء جديد، ولا في رفاهية يتمناها، بل كان كل ما يشغله هو سؤال واحد: هل يكفي المعاش هذا الشهر لشراء الدواء والطعام معًا؟
وصل إلى الصيدلية، سأل عن أسعار الأدوية، فكانت الصدمة أكبر من قدرته على الاحتمال. وقف للحظات يقلب النقود في يده، ثم طلب من الصيدلي أن يؤجل بعض الأصناف إلى الشهر القادم. خرج وهو يخفي دموعه، ليس خوفًا من المرض، بل خوفًا من أن يصبح عاجزًا عن توفير أبسط حقوقه في الحياة.
هذه ليست قصة شخص واحد، بل حكاية تتكرر كل يوم مع ملايين من أصحاب المعاشات الذين أفنوا أعمارهم في خدمة وطنهم. سنوات طويلة من العمل والالتزام والإخلاص، كانوا خلالها يؤدون واجبهم بكل أمانة، على أمل أن يجدوا في نهاية الطريق حياة هادئة تليق بما قدموه. لكن الواقع جاء مختلفًا، فأصبح التقاعد بالنسبة لكثيرين بداية لمعاناة جديدة، لا نهايتها.
الأسعار ترتفع بلا توقف، والدواء يزداد تكلفة، وفواتير الكهرباء والمياه والغاز تلتهم الجزء الأكبر من الدخل، بينما يظل المعاش ثابتًا أو تزيد قيمته بنسبة لا تواكب ما يحدث في الأسواق. وهكذا يجد صاحب المعاش نفسه مضطرًا إلى الاختيار بين احتياجات لا يمكن الاستغناء عن أي منها.
الأكثر إيلامًا أن كثيرًا من أصحاب المعاشات لا يشتكون من أجل أنفسهم فقط، بل لأنهم ما زالوا يتحملون مسؤولية أسر كاملة. هناك من يعول أبناءً لم يجدوا عملًا، ومن يساعد ابنة مطلقة، ومن ينفق على أحفاد يحتاجون إلى التعليم والعلاج. ومع ذلك، يحاول أن يخفي ضيقه حتى لا يشعر من حوله بالعجز أو الانكسار.
إن أصحاب المعاشات لا يطلبون امتيازات خاصة، ولا يسعون إلى حياة مترفة، وإنما يطالبون بحق بسيط وعادل، وهو أن يعيشوا ما تبقى من أعمارهم بكرامة، وأن يكون معاشهم كافيًا لتوفير احتياجاتهم الأساسية دون أن يضطروا إلى الاستدانة أو الاستغناء عن العلاج.
إن تكريم من خدموا الوطن سنوات طويلة لا يكون بالكلمات وحدها، بل بقرارات حقيقية تعيد لهم الشعور بالأمان، وتمنحهم حياة تليق بما قدموه. فالمجتمعات تُقاس بمدى احترامها لكبار السن، وبقدرتها على حفظ كرامة من أفنوا أعمارهم في البناء والعمل.
ويبقى السؤال الذي ينتظر الملايين إجابته: إلى متى سيظل صاحب المعاش يقضي آخر عمره في معركة يومية مع الغلاء، وهو الذي كان يحلم أن تكون سنوات التقاعد هي سنوات الراحة والطمأنينة؟



