بقلم / محمـــد الدكـــروري
من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف فى العشر الأواخر من رمضان فى مسجده صلى الله عليه وسلم، فكان يعتزل النساء، ويلتزم المسجد، ويحيى الليل بالصلاة والعبادة، ولا يشغل نفسه في هذه العشر إلا بالعبادة، العبادة فحسب، بل كان يقتطع من الوقت ما استطاع ويفرغ منه ما أمكن، فلا يضيع منه شيئا ولو حتى في تناول الطعام، فقد كان يواصل الصيام إما للسحر وإما لأيام متتالية تفريغا للوقت في الطاعة، وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال “نهى النبى صلى الله عليه وسلم عن الوصال فى الصوم فقال له رجل من المسلمين إنك تواصل يا رسول الله، قال “وأيكم مثلى، إني أبيت عند ربى يطعمنى ويسقينى” رواه البخارى ومسلم، وقال ابن رجب الحنبلى ومعلوم أنه لا يطعمه الطعام والشراب الحسى، لأن ذلك مناف لحقيقة الصيام، وإنما هو إشارة إلى ما كان يفتحه الله عليه من مواد أنسه ونفحات قدسه.
فكان يرد على قلبه من المعارف الإلهية والمنح الربانية ما يغذيه ويغنيه عن الطعام والشراب كما قيل لها أحاديث من ذاكراك تشغلها عن الطعام وتلهيها عن الزاد، والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أشد ما يكون اجتهادا فى هذه العشر الأواخر، وهكذا ينبغى على المسلم أن يتخفف من المباحات ويقلل من أوقات الأكل والنوم ليفسح للطاعات مكانا، ويواصل عبادته بالليل والنهار تقربا إلى الله تعالي، وتشبثا بأسباب المغفرة، وفى الثلث الأخير من شهر رمضان المعظم تتضاعف الحسنات وتتعدد المناسبات فقد جعل الله تبارك وتعالى في العشر الأواخر ليلة القدر التى هي خير من ألف شهر إكراما من الله لأمة محمد صلى الله عليه وسلم حتى تكثر حسناتها ولا تسبقها الأمم الأخرى، فعن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال “من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه” رواه البخارى ومسلم.
وإن من أهم الأعمال التى عليك أن تحرص عليها في العشر الأواخر من رمضان، هو إحياء الليل، فعن السيدة عائشة رضى الله عنها “أن النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل العشر أحياء الليل وأيقظ أهله وشد مئزر” ومعنى إحياء الليل أى استغرقه بالسهر فى الصلاة والذكر وغيرهما، وقيام الليل فى هذا الشهر الكريم وهذه الليالى الفاضلة لا شك أنه عمل عظيم، جدير بالحرص والاعتناء حتى نتعرض لرحمات الله جل شأنه، وأيضا الإعتكاف، ومما ينبغى الحرص الشديد عليه فى هذه العشر هو الاعتكاف فى المساجد التى تصلى فيها فقد كان هدى النبى صلى الله علية وسلم المستمر الاعتكاف في العشر الأواخر حتى توفاه الله، فعن السيدة عائشة رضى الله عنها قالت وإنما كان يعتكف فى هذه العشر التي تطلب فيها ليلة القدر قطعا لانشغاله وتفريغا للياليه وتخليا لمناجاة ربه وذكره ودعائه وكان يحتجز حصيرا يتخلى فيه عن الناس.
فلا يخالطهم ولا ينشغل بهم، وإن من أسرار الاعتكاف هو صفاء القلب والروح، إذ أن مدار الأعمال على القلب كما فى الحديث ” ألا وأن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهى القلب” فلما كان الصيام وقاية للقلب من مغبة الصوارف الشهوانية من فضول الطعام والشراب والنكاح فكذلك الاعتكاف ينطوي على سر عظيم وهو حماية العبد من أثار فضول الصحبة وفضول الكلام وفضول النوم وغير ذلك من الصوارف التى تفرق أمر القلب وتفسد اجتماعه على طاعة الله، وأيضا قراءة القرآن ومن أهم الأعمال فى هذا الشهر وفى العشر الأواخر منة على وجه الخصوص تلاوة القرآن الكريم بتدبر وخشوع, واعتبار معانية وأمره ونهيه، فقال تعالى ” شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان” فهذا شهر القرآن.
وقد كان النبى الكريم صلى الله علية وسلم يدارسه جبريل عليه السلام فى كل يوم من أيام رمضان حتى يتم ما أنزل علية من القرآن وفي السنة التى توفى فيها صلى الله عليه وسلم قرأ القرآن على جبريل مرتين، وقد أرشد النبى الكريم صلى الله عليه وسلم إلى فضل القرآن وتلاوته فقال “إقروا القرآن فان لكم بكل حرف حسنة والحسنة بعشر أمثالها أما إنى لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف” رواه الترمذى، واخبر النبى الكريم صلى الله عليه وسلم أن القرآن يحاج عن صاحبه يوم العرض الأكبر فقال صلى الله علية وسلم “يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به فى الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران تحاجان عن صاحبهما” رواه مسلم.


