إستغلال الفراغ فيما ينفع من كمال العقل
بقلم / محمـــد الدكـــروري
إن من أكبر نعم الله سبحانه وتعالي علي الإنسان هو نعمة الوقت، وأنفاس الإنسان في الدنيا محدودة، وحياته فيها موقوتة، وآماله فيها كثيرة، غير أن عقلاء البشر إستغلوا ليلها ونهارها فيما يقربهم إلى خالقهم، وينجيهم يوم لقائه لذلك فإن إستغلال الفراغ فيما ينفع من كمال العقل، وإن حالنا اليوم كما يراه أبو الدرداء رضي الله عنه بقوله ما من أحد إلا وفي عقله نقص عن حلمه وعلمه، وذلك أنه إذا أتته الدنيا بزيادة في مال ظل فرحا مسرورا، والليل والنهار دائبان في هدم عمره لا يحزنه ذلك، ما ينفع مال يزيد وعمر ينقص، فالكثير يحملهم طلب الدنيا على الهم والغم وتكدر العيش، ولم نر إلا القليل يحزن لذهاب عمره ودنو أجله، وينسى الكثير سنوات عمره التي مضت، وأيامه التي انقضت، ولا ينسى شيئا من أمور الدنيا كأن الهدف جمع الدنيا والتفرغ لها، تفكرت في الدنيا فأبصرت رشدها.
وذلك بالتقوى من الله حدها، فأسأت بها ظنا فأخلفت وعدها، وأصبحت مولاها وقد كنت عبدها، وهذا صوت يأخذه العجب من عدم توازن الأمور، فهذا يحيى بن معاذ يقول عجبت ممن يحزن عن نقصان ماله وكيف لا يحزن على نقصان عمره؟ فلم نري ولم نسمع عمن بات مهموما مغموما من نقصان عمره وذهاب أوقاته ولكننا نرى الكثير مهموما مغموما من نقصان ماله، فأين هو عن تبدل المنازل بعد فترة يسيرة؟ أين هو عن الحساب والجزاء؟ فمن كان يوحشه تبديل منزله، وأن يبدل منها منزلا حسنا، ماذا يقول إذا ضمت جوانبها، عليه واجتمعت من هاهنا وهنا، وماذا يقول إذا أمسى بحفرته، فردا وقد فارق الأهلين والسكنا، وهنالك يعلم قدر الوحشتين وما يلقاه من بات باللذات مرتهنا، فيا غفلة ورماح الموت شارعة، والشيب ألقى برأسي نحوه الرسنا، ولم أعد مكانا للنزول ولا أعددت زادا ولكن غرة وقنى.
واعلموا يرحمكم الله إن من مراتب الفساد هى الإفساد الناشئ عن فساد الحكام والقادة والزعماء، وهو الفساد الأكبر، لأن الكبراء إذا فسدوا في أنفسهم فإنهم ينشرون الفساد بقوة نفوذهم واستخدام سلطاتهم وقوتهم وقد ذكر القرآن عن بلقيس قولها كما جاء فى سورة النمل “إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة، وكذلك يفعلون” وكثيرا ما يزعم الطغاة المتكبرون أن المصلحين هم أصحاب الفساد، كما قال فرعون عن موسى عليه السلام كما جاء فى سورة غافر ” إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد” هذا بالرغم من أن فرعون نفسه كان مكثرا من الإفساد بكل أنواعه، ولا تشفع له الأبراج العالية، والأصنام المنصوبة والقبور المشيدة فيما يطلق عليه الحضارة الفرعونية، فإنها جميعا شواهد على إستبداد وسيطرة وطغيان الفراعين الذين كانوا يطمعون أن ينقلوا معهم الثروات.
المسروقة من الشعوب المستضعفة إلى قبورهم، فقال الله تعالى فى سورة الفجر ” وفرعون ذي الأوتاد، الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد” وقد وصف القرآن الكريم فرعون بالعلو والإفساد في الأرض كما جاء فى سورة القصص ” إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا، يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم، إنه كان من المفسدين” ومثلما كان فرعون، مفسدا بنفوذه السياسي والعسكري، فقد كان قارون مفسدا بنفوذه المالي الاقتصادي، وقد كان قادرا على استعمال أمواله في الإصلاح في الأرض، ولكنه أبى إلا أن يستعمل نعمة الله في محاربة الله، وقد قال له الناصحون من قومه كما جاء فى سورة القصص ” ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين، قال إنما أوتيته على علم عندي”.


