مقال

أطفال بلا مأوى ضحايا الطلاق وغياب المسؤولية المجتمعية

 

بقلم الدكتوره نجلاء هاشم

 

في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي تتفاقم يومًا بعد يوم، تتزايد معدلات الطلاق، خصوصًا في السنوات الأولى من الزواج. لم يعد انهيار الأسرة أمرًا نادرًا، بل أصبح يحدث بسهولة نتيجة غياب الوعي وتحمل المسؤولية من كلا الطرفين، مما يؤدي إلى تفكك البيوت وترك أطفال أبرياء يواجهون مصيرًا لم يختاروه.

 

هؤلاء الأطفال، الذين لم يكن لهم ذنب سوى أنهم وُلدوا في أسر غير مستقرة، يجدون أنفسهم فجأة بلا مأوى أو مصدر رزق. في كثير من الحالات، يتخلى الأب عن مسؤولياته، رافضًا الإنفاق أو الالتزام تجاه أسرته، بينما تُترك الأم وحدها في مواجهة واقع قاسٍ، بلا دعم مادي أو اجتماعي، لتدخل في دوامة من القضايا والمحاكم التي تستنزف وقتها وجهدها دون ضمان لحقوقها أو حقوق أطفالها.

 

ومع غياب الحماية الكافية، يتحول الشارع إلى ملاذ لهؤلاء الأطفال، فتزداد أعداد أطفال الشوارع والمتسولين، وينشأ جيل يعاني من الحرمان، وقد يحمل بداخله مشاعر الغضب والحقد نتيجة الإهمال والتهميش. هذا الواقع لا يؤثر فقط على الأفراد، بل ينعكس على المجتمع بأكمله، حيث ترتفع معدلات الجريمة مثل السرقة والعنف نتيجة البحث عن البقاء.

 

أين دور القوانين الرادعة التي تضمن حقوق هؤلاء الأطفال؟ وأين تفعيل آليات حماية المرأة التي تتحمل العبء الأكبر بعد الطلاق؟ إن الحاجة أصبحت ملحّة لوضع تشريعات أكثر صرامة تُلزم الآباء بتحمل مسؤولياتهم، وتوفر الحماية والدعم للأمهات وأطفالهن، بما يضمن لهم حياة كريمة.

 

إنها ليست مجرد مشكلة أسرية، بل قضية مجتمع بأكمله، تتطلب تضافر الجهود من الدولة والمؤسسات والأفراد. فبدون تدخل حقيقي وفعال، ستظل هذه المأساة مستمرة، وسيستمر نزيف جيل كامل يُحرم من أبسط حقوقه في الأمان والاستقرار.

 

السؤال الذي يفرض نفسه بقوة؟ أين القوانين الرادعة التي تُلزم الآباء بتحمل مسؤولياتهم؟ وأين آليات الحماية الحقيقية للمرأة والطفل؟ إن ترك الأمور على هذا النحو لا يعني سوى مزيد من الانهيار المجتمعي، ومزيد من الضحايا الذين يدفعون ثمن الإهمال والتقاعس.

 

إن مواجهة هذه الأزمة تتطلب تحركًا عاجلًا، يبدأ بتشريعات أكثر حزمًا تضمن سرعة الفصل في قضايا النفقة، وتفعيل آليات تنفيذ الأحكام، إلى جانب توفير شبكات دعم حقيقية للأمهات، وبرامج حماية وإعادة تأهيل للأطفال المعرضين للخطر.

 

أطفال اليوم هم مستقبل الغد، وإنقاذهم ليس خيارًا، بل واجب وطني وإنساني لا يحتمل التأجيل. فإما أن نتحرك الآن، أو نترك المجتمع يواجه عواقب جيل نشأ بلا حماية، بلا عدالة، وبلا أمل.

osama elhaowary

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *