مقال

ملحمة البناء والسيادة.. حين يضيء سراج التاريخ دروب المستقبل في رحاب الجمهورية الجديدة


كتبت /منى منصور السيد
في فجر الأمم العظيمة، لا تقف الذاكرة التاريخية عند حدود سرد الأمجاد الغابرة ولا تتوقف عند محطة الاستذكار العابر، بل تتحول إلى بوصلة حية ونبض سارٍ في عروق الحاضر، ينير دروب الاستكمال والبناء في رحاب «الجمهورية الجديدة». وحين تتلاقى أصداء الكلمات الرئاسية الوازنة بمناسبة الذكرى الرابعة والسبعين لثورة الثالث والعشرين من يوليو المجيدة، يرتسم أمامنا مشهد وطني فاره البهاء، ينسج بخيوط دقيقة وواعية عرى الاستراتيجية والاقتصاد والسياسة في سياق متكامل ومحكم البناء، يربط بوصلة اليقين بين مناعة الكيان ووحدة الإرادة وانطلاقة التنمية الكبرى التي تسور الوطن وتحصنه ضد عاديات الزمن. إنها لحظة فارقة تتجلى فيها عبقرية المكان والإنسان، حيث تتكئ الخطوات الثابتة على إرث نضالي عريق، لتمضي نحو أفق أرحم وأرحب من الإنجاز والسيادة والكرامة الإنسانية.


وحين نتأمل ركائز هذا البنيان الحصين، يطالعنا اليقين الاستراتيجي الذي خط معالمه الخبير العسكري والاستراتيجي اللواء الدكتور سمير فرج، مؤكداً بحنكة البصير وعمق الرؤية أن التلاحم العضوي بين الجيش والشعب يظل هو الدرع الأبدي وصمام الأمان في وجه العواصف والأنواء الإقليمية والدولية. فبين ثورة يوليو الخالدة التي قادتها المؤسسة العسكرية تلاحماً طاهراً مع إرادة الأمة لتحرير القرار الوطني، وثورة الثلاثين من يونيو المجيدة التي هبّ فيها الشعب عن بكرة أبيه وساندته مؤسساته الوطنية لإنقاذ الكيان من براثن التخريب والضياع، تبرز عقيدة راسخة لا تتبدل ولا تليّن؛ مفادها أن قوة الدولة تبدأ حتمياً من تماسك جبهتها الداخلية وصلابة نسيجها المجتمعي، فالظهير الشعبي الواعي والمدرك لحجم التحديات هو الحصن المنيع الذي تتكسر دونه أوهام المتربصين ومحاولات زعزعة الاستقرار، وهو السور العالي الذي استندت إليه الدولة لتخطي أصعب المنعطفات التاريخية وأكثرها دموية وتعقيداً في الإقليم.


هذا الدرع الحصين والمنعة الاستراتيجية لم تكن غايتهما مجرد الذود عن حمى الوطن ضد الأخطار المحدقة فحسب، بل مهدتا المعالم الكبرى لتفتح أبواباً فسيحة لا تعرف الانقطاع أمام طفرة تنموية واقتصادية شاملة وعميقة الأثر، وهو ما جلاه ببراعة اللواء الدكتور رضا فرحات حين أكد أن مقولة «القادم أفضل» ليست مجرد شعار إنشائي يستهلك في المحافل، بل هي ترجمة حية لرؤية دولة وإرادة شعب تتجسد واقعاً ملموساً في ضخ الاستثمارات الهائلة والعملاقة في شرايين البنية الأساسية، ومشروعات الاستصلاح الزراعي الضخمة، وتوسيع رقعة التكنولوجيا والصناعة الوطنية الحديثة. ولا تقف هذه الفلسفة التنموية عند حدود الداخل الجغرافي للوطن، بل تمتد بأبعاد استراتيجية ذكية نحو العمق الأفريقي الأصيل؛ حيث تسهم اتفاقيات التجارة الحرة والمشروعات الكبرى العابرة للحدود في إعادة صياغة مكانة مصر التاريخية كقوة إقليمية فاعلة، تؤمن مصالحها القومية العليا وتدعم بكل صدق ركائز الاستقرار والتكامل المشترك والتنمية المستدامة في ربوع القارة السمراء، لتبرهن الدولة المصرية باستمرار أن حضورها الأفريقي هو امتداد طبيعي لعراقتها وارتكاز واثق لمستقبلها.


ويكتمل هذا البنيان الإنساني والتاريخي حين يعانق الماضي الحاضر برؤية الأستاذ الدكتور حنفي عبد العظيم البيري، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، الذي يعيد تأصيل مسيرة الجمهورية الجديدة كامتداد طبيعي وأصيل لتاريخ النضال الوطني الطويل، مستلهمًا دروس الأمس ومتلافياً إخفاقاته بكل تجرد ووعي مؤسسي. ومن رحم العدالة الاجتماعية وتحقيق التنمية المتوازنة والمستدامة، ولا سيما في ربوع الريف المصري عبر درة المبادرات الوطنية «حياة كريمة»، تتشكل الفلسفة الأعمق للدولة الحديثة؛ إذ يصير بناء الإنسان المصري وجعل كرامته الإنسانية وازدهاره المعيشي هو غاية التنمية وسيلتها في آن واحد، وهو ما يجسد اليقين المطلق بأن الأمم العظمى لا تُقاس بمساحتها الجغرافية وحدها، بل تُبنى بوعي جمعي مستنير ومؤسسات كفؤة لا تعرف المستحيل وتضع كرامة المواطن في قمة أولوياتها الاستراتيجية.


ولا يمكن لهذا الصرح الشامخ والممتد أن يكتمل بناؤه أو تؤتي ثماره أكلها دون أسيجة دبلوماسية وسياسية حكيمة تحمي هذا البناء وتصون مقدراته من العبث، وهنا يضيء الطرح الرصين للسفير محمد حجازي دروب العقلانية السياسية والرشادة الدبلوماسية، مؤكداً أن السلام ليس ترفاً عابراً ولا رغبة متخندقة، بل هو ضرورة استراتيجية وحتمية وجودية لاستمرار مسيرة البناء والتنمية والتقدم. فمن موقع القوة الرشيدة والواعية تدرك الدولة المصرية تمام الإدراك أن حروب المنطقة وويلاتها لا تفرز سوى الخراب والدمار، ومن ثم تأتي نداءاتها الثابتة والراسخة لوقف الصراعات وإعلاء لغة الحوار الجاد والتفاوض ورأب الصدع بين الأشقاء، وتحمل الأعباء الإنسانية والاستراتيجية الجسيمة لإيواء ملايين اللاجئين وضحايا الحروب في محيطها الإقليمي، لتؤكد مجددًا أنها الملاذ الآمن والركيزة الصلبة والأساس المتين للسلام والاستقرار الإقليمي والدولي بأسره، دافعة عن قضايا أمتها بحكمة واقتدار.
هكذا يلتئم المشهد في لوحة استراتيجية واقتصادية متكاملة الأركان؛ وطن تحميه عقيدة جيش باسْق العزم ووعي شعب أبي، وتبنيه سواعد تنموية لا تفتر ولا تتوقف، وتؤطره دبلوماسية واعية وحكيمة تسعى للسلام العادل والشامل، لتمضي مصر بخطى واثقة ومظفرة نحو مستقبل واعد يليق بعظمة تاريخها وخلود حضارتها وسمو إرادتها الوطنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى