
بقلم/نشأت البسيوني
هناك لحظات تمر على الإنسان
يشعر فيها كأنه فقد كل شيء
كأن الحياة توقفت عند حدود الوجع
وكأن أنفاسه تثقلها الذكريات
حتى يظن أنه لن يقوم بعدها أبدا
لكن الروح يا صديقي لا تموت
قد تنحني من ثقل الأيام
قد ترهقها الخيبات وتكسرها الجروح
لكنها تظل تبحث عن بصيص ضوء
عن نافذة تفتحها الحياة كي تتسلل منها شمس جديدة
حين ترقص الروح فوق أطلال الألم
تتغير ملامح العالم في عينيك
تصير الدموع ماء يروي شجرتك الداخلية
ويغسل الحزن عن قلبك
حتى تخرج من عمق الانكسار
وأنت أنقى أصدق وأقرب إلى ذاتك
كل وجع مر بك لم يكن عبثا
كان يعلمك يصقلك يختبر مدى صمودك
حتى تعرف كيف تنهض
وكيف تضحك رغم التعب
وكيف تحب رغم كل ما فقدت
حين ترقص الروح فوق أطلال الألم
تدرك أن الألم لم يكن عدوك
بل معلمك الذي قادك إلى النور
أن الخيبات لم تكن نهاية
بل بداية لحياة أكثر صدقا ونقاء
وأن الدموع التي نزلت ذات مساء
كانت بذورا زرعت فيك قوة خفية
ستزهر حين يحين الوقت
نحن لا نكبر بالعمر فقط
نحن نكبر بكل وجع تخطيناه
وبكل مرة اخترنا فيها الصبر على الانهيار
وبكل موقف علمنا أن نبتسم رغم المرارة
وحين تتعلم روحك أن ترقص بعد الألم
فأنت لم تعد كما كنت
صرت أقرب إلى الحكمة
وأعمق في فهم الحياة
وأجمل في صدقك مع نفسك
يا صديقي
الحياة لا تكافئ من لم يوجع
بل تمنح أعظم عطاياها لمن ذاق مرارتها وواصل السير
لمن انكسر ووقف
لمن بكى حتى جفت الدموع ثم ضحك رغم الألم
لمن تعلم أن النور لا يأتي إلا بعد ظلام
وأن الشفاء لا يولد إلا من عمق الجرح
حين ترقص الروح فوق أطلال الألم
فهي لا تتجاهل الوجع
بل تحتضنه وتحوّله إلى موسيقى
تتراقص عليها بخطوات الشجاعة
حتى تكتب من حطامها قصة نجاة
وتخلق من رمادها بداية جديدة
وفي تلك اللحظة التي تبتسم فيها بعد البكاء
حين يهدأ قلبك بعد الصراع
وتشعر أن وجعك صار صديقك
اعرف أنك وصلت إلى النور
إلى النقطة التي تصبح فيها سيد نفسك
وسيد حكايتك
وصانع سلامك الداخلي
فهكذا فقط
ترقص الروح فوق أطلال الألم
لا لأنها نسيت
بل لأنها سامحت
وتعلمت
واختارت أن تعيش رغم كل ما كان
وتصنع من الحياة نورا جديدا
نورا يولد من أعماقك
يضيء قلبك أولا
ثم يمتد ليضيء العالم من حولك

