الوجه الآخر لرجل الأعمال
بقلم / محمـــد الدكـــروري
إعلموا يا عباد الله أن الوجه الآخر لرجل الأعمال يتعلق بالجانب الأسري، والعلاقات مع الأهل والأرحام فالرجل الناجح هو الذي يحسن استثمار بيته وأولاده، كما يحسن استثمار ماله، ويتميز في حسن إدارة بيته، كما يتميز في إدارة شركاته وأعماله فالثروة الحقيقية للإنسان هي أولاده الذين إن أحسن تربيتهم والعناية بهم، ووفر لهم الاستقرار النفسي والعاطفي، كانوا رجالا ناجحين في مجتمعهم، وتألقوا في استثمار علمهم وخبراتهم، والإنسان بفطرته يحب الخلود، ولو بالذكر الحسن في هذه الدنيا، والمال وحده ليس طريقا مأمونا لخلود الذكر الحسن، وإنما استثماره ضمن حدود الشريعة وإنفاقه في طرق الخير هو الذي يعود على الإنسان بالنفع في الدنيا والآخرة، وهذا هو رسول الله المصطفي صلي الله عليه وسلم الذي توفيت زوجتة أم المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها التي كانت بمثابة السند له صلي الله عليه وسلم قبل هجرته إلى المدينة بثلاث سنوات.
وفي ذات العام مرض عمه أبو طالب الذي كان يحميه صلي الله عليه وسلم من أذى قريش مرضا شديدا، واستغلت قريش موقف مرضه وبدأت بالتعرض له صلي الله عليه وسلم بالأذى الشديد، وذهبت مجموعة من أشراف قريش إلى أبي طالب حين اشتد مرضه وطلبت منه أن يكف الرسول صلي الله عليه وسلم عن دعوته، فحدثه أبو طالب بما يريدون، ولم يلتفت لذلك، وقبل وفاة أبي طالب حاول معه الرسول صلي الله عليه وسلم بنطق الشهادتين إلا أنه لم يستجب، وتوفي على حاله، وبوفاته ووفاة السيدة خديجة رضي الله عنها حزن الرسول صلي الله عليه وسلم حزنا شديدا إذ كانا بمثابة السند والدعم والحماية له، وسمّي ذلك العام بعام الحزن، فاللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي آله وأصحابه أجمعين فإعلموا يا عباد الله أن الإسلام قد حث على العمل والكسب والإحتراف والإستثمار، وأن الأمة الإسلامية غنية بما وهبها الله تعالى.
من موارد وطاقات، وأن هذه الموارد وتلك الطاقات، لو إستغلت إستغلالا صحيحا في حدود القيم والأخلاق وفي حدود التخطيط السديد لأصبحت من أغني أغنياء العالم، فتقدمها ونماءها وإزدهارها مصحوب بالقيم الأخلاق أولا، وبالجد والسعي والعمل ثانيا، فهذان ميزانان بهما ترقي الأمة وتتقدم، وبانعدامهما تتخلف وتصاب بانحطاط مادي وخلقي، وكفي بالواقع المعاصر على ذلك شهيدا، ويجب على العامل أن يراقب الله في جميع أعماله وأحواله وأقواله وأفعاله وحركاته وسكناته لأن الله أقرب إليك من حبل الوريد، فقال تعالي فى سورة ق ” ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد” وقال ابن الجوزي رحمه الله الحق عز وجل أقرب إلى عبده من حبل الوريد، لكنه عامل العبد معاملة الغائب عنه البعيد منه، فأمر بقصد نيته، ورفع اليدين إليه، والسؤال، فقلوب الجهال تستشعر البعد، ولذلك تقع منهم المعاصي.
إذ لو تحققت مراقبتهم للحاضر الناظر لكفوا الأكف عن الخطايا والمتيقظون علموا قربه فحضرتهم المراقبة، وكفتهم عن الانبساط، فيا أيها العامل، إن عين الله تلاحقك أين ما ذهبت، وفي أي مكان حللت، في ظلام الليل وراء الجدران، في الخلوات في الفلوات، ولو كنت في داخل صخور صم، هل علمت ذلك، واستشعرت ذلك فاتقيت الله ظاهرا وباطنا، فكان باطنك خير من ظاهرك، وكما يجب تقديم الكفاءات في العمل إذا كنا نريد النهوض ببلدنا ومصرنا، فمصر بها عدد لا بأس به من المواهب والقدرات وأن جميع دول العالم تستعين بالخبرات المصرية في جميع مجالات الحياة، ولذلك شدد النبى صلى الله عليه وسلم في أمر تقديم الكفاءات أيما تشديد، فقد اهتم الإسلام بقيمة العلم أيما اهتمام، ولقد بلغت عناية الله عز وجل بنا لرفع الجهل عنا، أن كان أول ما نزل من الوحي على نبينا صلى الله عليه وسلم أعظم كلمة هبط بها جبريل هي قوله تعالى ” اقرأ باسم ربك الذى خلق”
فهذا هو رسول الله صلي الله عليه وسلم الذي توجه إلى الطائف في سبيل دعوة قبيلة ثقيف إلى توحيد الله تعالي بعد وفاة عمه وزوجته، والذي تعرض صلي الله عليه وسلم للأذى من قريش، طالبا من ثقيف نصرته وحمايته، والإيمان بما جاء، راجيا منهم القبول، إلا أنهم لم يستجيبوا وقابلوه بالسخرية والإستهزاء، فاللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي آله وأصحابه أجمعين.


