مقال

العدالة أقوى من الإفلات من العقاب … عندما ينتصر القانون للإنسان

بقلم المستشار/ فادي حسين محمد أبو شاويش
غزة – فلسطين
 
ما قيمة القانون إذا كان قويًا أمام الضعيف، ومترددًا أمام القوي؟ وما معنى العدالة إذا استطاع النفوذ أن يغلق أبوابها أمام الضحية؟
ليست هذه أسئلة قانونية مجردة، بل أسئلة تمس جوهر الإنسان ومستقبل العدالة نفسها. فمنذ أن عرف الإنسان معنى الظلم، ظل يبحث عن ميزان يعيد للحق مكانته، وللضحية كرامتها، وللقانون قدرته على مواجهة القوة. غير أن التاريخ علّمنا أن أخطر ما يهدد العدالة ليس غياب النصوص وحده، وإنما الاعتقاد بأن النفوذ يستطيع أن يحمي صاحبه من المسؤولية، وأن القوة يمكن أن تجعل الجريمة بلا حساب.
من هنا تطورت العدالة الجنائية الدولية، لا بوصفها وسيلة للانتقام، وإنما باعتبارها محاولة قانونية وإنسانية لمواجهة الإفلات من العقاب عندما يتعلق الأمر بأشد الجرائم خطورة التي تهم المجتمع الدولي بأسره.
وقد جاء نظام روما الأساسي لعام 1998 ليؤسس المحكمة الجنائية الدولية بوصفها محكمة دولية جنائية دائمة تختص، في حدود الشروط المقررة في النظام، بجريمة الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وجريمة العدوان، على أساس المسؤولية الجنائية الفردية، وبما ينسجم مع مبدأ التكامل الذي يجعل القضاء الوطني هو الأصل، ولا يحل القضاء الدولي محله إلا في الحالات التي يحددها النظام.
لكن قيمة العدالة لا تكمن في وجود المحكمة وحدها، ولا في عدد الأحكام التي يمكن أن تصدرها. فالعدالة تبدأ قبل قاعة المحكمة؛ تبدأ من الاعتراف بالضحية، والبحث عن الحقيقة، وحفظ الأدلة، واحترام حقوق جميع الأطراف، ثم الوصول إلى مساءلة عادلة لا تقوم على الانتقام ولا على الإدانة المسبقة.
فالعدالة ليست ثأرًا، ولا عقوبة جماعية، ولا إدانة لمجرد الاتهام. إنها حقيقة ومسؤولية وإنصاف. وهي أن يُفحص الفعل وفق القانون، وأن تُدرس الأدلة بنزاهة، وأن يتحمل المسؤولية كل من تثبت مسؤوليته، وأن تبقى ضمانات المحاكمة العادلة مصونة.
وهنا تتجلى أهمية المسؤولية الجنائية الفردية؛ فالقانون الدولي الجنائي لا يحاكم الشعوب بسبب هويتها، ولا يحمل جماعة بأكملها مسؤولية فعل فرد، وإنما يسأل الأشخاص عن أفعالهم ودورهم ومسؤولياتهم وفق القانون. فالمنصب لا يمحو الجريمة، والنفوذ لا يصنع البراءة، والسلطة لا ينبغي أن تتحول إلى حصانة من المساءلة.
وهذه هي اللحظة التي يُختبر فيها القانون حقًا؛ ليس عندما تكون المحاسبة سهلة، وإنما عندما تقف العدالة أمام أصحاب النفوذ والمصالح الكبرى. فالقانون الذي يشتد على الضعيف ويتردد أمام القوي يفقد شيئًا من هيبته، والعدالة التي تتغير معاييرها بتغير موازين السياسة تفقد جزءًا من ثقة الإنسان بها.
إن أخطر ما في الإفلات من العقاب أنه لا يدفن الجريمة في الماضي، بل قد يترك لها طريقًا إلى المستقبل. فعندما يرى الجاني أن القوة تستطيع أن تحميه من المساءلة، تضعف هيبة القانون في أعين الناس، وعندما تشعر الضحية أن صوتها لا يصل، يصبح الظلم أكثر قابلية للتكرار.
لذلك فإن العدالة لا تحاسب الماضي فقط؛ إنها تحمي المستقبل.
كل تحقيق نزيه يحفظ الحقيقة من الضياع، وكل محاكمة عادلة تؤكد أن الإنسان ليس رقمًا، وكل مساءلة قانونية تبعث رسالة إلى الأجيال القادمة بأن السلطة مسؤولية، وأن القوة ليست ترخيصًا لانتهاك الكرامة الإنسانية.
ومع ذلك، فإن طريق العدالة الدولية ليس سهلًا. فالمصالح السياسية، وتفاوت مواقف الدول، وصعوبة التعاون وتنفيذ القرارات، والانتقادات المرتبطة بالانتقائية وازدواجية المعايير، كلها تحديات حقيقية. لكن صعوبة الطريق ليست مبررًا للتخلي عنه؛ بل تجعل الحاجة إلى استقلال القضاء، ونزاهة الإجراءات، وتطبيق القانون بمعايير متسقة، أكثر إلحاحًا.
فالعدالة الحقيقية لا تسأل عن هوية الضحية قبل أن تبحث عن الحقيقة، ولا عن قوة المتهم قبل أن تنظر في الأدلة والقانون. إنها معيار قانوني واحد: أفعال تُفحص، وأدلة تُقيّم، ومسؤوليات تثبت، وحقوق تُصان، دون إدانة جماعية أو انتقائية.
وفي هذا السياق تأتي فلسطين مثالًا حيًا على الاختبار الذي تواجهه العدالة الدولية. ليست فلسطين القضية الوحيدة في العالم، لكنها تضع المجتمع الدولي أمام سؤال يصعب تجاهله: هل تكون قيمة الإنسان واحدة في كل مكان، أم تصبح العدالة امتيازًا تحدده موازين القوة والسياسة؟
ومن غزة، التي عرفت معنى الخوف والفقد والدمار، أقول إن العدالة التي نطلبها للفلسطيني ليست عدالة خاصة، وإنما هي ذات العدالة التي يستحقها كل إنسان في أي مكان. فالكرامة الإنسانية لا تتغير بتغير الجغرافيا، والحق لا يفقد قيمته بتغير هوية صاحبه، والقانون لا ينبغي أن يختار ضحاياه وفق موازين القوة.
ولهذا فإن العدالة في أي قضية دولية لا تعني إدانة جماعية ولا تبرئة جماعية؛ وإنما تعني أن يُفحص الفعل وفق القانون، وأن تُدرس الأدلة، وأن يتحمل المسؤولية كل من تثبت مسؤوليته، وأن تبقى حقوق الضحايا والمتهمين مصونة في ميزان العدالة.
إن هذا الوعي امتداد طبيعي للإيمان بأن القانون رسالة، وأن سيادته حماية، وأن الوعي به مسؤولية، وأن العدالة غايته الكبرى. فالقانون لا يعيش في الكتب والمواثيق وحدها؛ يعيش عندما يتحول إلى وعي، والوعي إلى سلوك، والسلوك إلى ثقافة تحترم الإنسان وترفض الظلم.
وهنا تبرز مسؤولية القانونيين والباحثين والمدربين؛ لأن بناء العدالة لا يبدأ دائمًا من المحكمة. قد يبدأ من كلمة تعلّم إنسانًا حقه، أو تدريب يرسخ احترام القانون، أو وعي يمنع انتهاكًا قبل وقوعه. فالمجتمع الواعي بالقانون لا ينتظر الجريمة كي يكتشف قيمة العدالة، بل يجعل من القانون ثقافة تحمي الإنسان قبل أن يصبح ضحية.
وقد تتأخر العدالة، وقد يطول الطريق إليها، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى نسيان. فالعدالة المتأخرة قد لا تعيد من رحل، ولا تمحو ألمًا من ذاكرة طفل، لكنها تستطيع أن تحفظ الحقيقة، وتنصف الضحية، وتمنع الجريمة من أن تتحول إلى سابقة قابلة للتكرار.
إن المعركة بين القانون والقوة ليست مجرد صراع بين مفهومين؛ إنها معركة على مستقبل الإنسان نفسه.
فإذا انتصر القانون، أصبحت السلطة مسؤولية، وأصبح الإنسان أكثر أمنًا، وأصبح السلام أقرب إلى أن يكون سلامًا حقيقيًا لا مجرد هدنة مؤقتة.
أما إذا انتصر الإفلات من العقاب، فلن تتوقف الخسارة عند ضحية واحدة؛ لأن الجريمة التي لا تجد مساءلة قد تفتح الباب لجريمة أخرى، والظلم الذي لا يُواجه قد يتحول إلى ثقافة.
ولهذا يجب أن تبقى رسالة القانون واضحة:
لا أحد فوق القانون، ولا جريمة بلا مسؤولية، ولا ضحية بلا حق، ولا قوة ينبغي أن تكون أقوى من العدالة.
فالقانون لا ينتصر عندما يصدر الحكم فقط، وإنما ينتصر عندما يشعر المظلوم أن صوته مسموع، وأن كرامته محفوظة، وأن العالم لم يتخلَّ عنه.
ومن هنا تبدأ رسالتي في القانون:
أن ينتصر الإنسان بالقانون، لا أن تنتصر القوة على الإنسان.
فحين تصبح العدالة أقوى من الإفلات من العقاب، لا تنتصر المحاكم وحدها…
بل تنتصر الإنسانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى