مقال

الإجتهاد ليس جديدا… سلسلة: المذاهب الفقهية.. لماذا اختلفوا وكيف نختلف؟

بقلم: د. كامل عبد القوى النحاس
المقال الثاني
لم يبدأ الاجتهاد الفقهي بعد وفاة النبي ﷺ، ولم تكن المذاهب الفقهية هي التي صنعت الاختلاف.
فالصحابة عاشوا مع رسول الله ﷺ، يسمعون منه ويتعلمون على يديه، ومع ذلك عرفوا الاجتهاد في بعض الوقائع، واختلفت أنظارهم أحيانًا؛ لأن الحياة كانت تأتيهم بمواقف جديدة، وكان عليهم أن ينظروا فيها ويبحثوا عن الحكم.
لكن كيف كان ذلك يحدث والنبي ﷺ بينهم؟
أسرى بدر.. حين اجتهد أهل الرأي
بعد انتصار المسلمين في بدر، أصبح بين أيديهم عدد من أسرى المشركين، وكانت هذه نازلة لم يكن فيها نص، فاستشار النبي ﷺ بعض أصحابه ممن يملكون الرأي والنظر.
فكان رأي أبي بكر رضي الله عنه أن يُستبقى الأسرى ويؤخذ منهم الفداء، لعل الله أن يهديهم، وليكون ما يؤخذ منهم عونًا للمسلمين.
أما عمر رضي الله عنه فنظر إلى الأمر من زاوية أخرى؛ فهؤلاء قادة حرب خرجوا لقتال المسلمين وإيذائهم وإخراجهم من ديارهم، فرأى أن يُقتلوا حتى لا يعودوا إلى قيادة الحرب عليهم.
فمال النبي ﷺ إلى رأي أبي بكر، وأُخذ بالفداء.
ثم نزل القرآن الكريم:
﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ۝ لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: 67-68].
والإثخان هو إضعاف العدو وقهره وإزالة قوته وشوكته؛ فالمعنى أن تثبيت قوة المسلمين وكسر شوكة عدوهم كان أولى في تلك المرحلة من أخذ الفدية حتى وإن كان المجتمع المسلم فى حاجة ماسة للمال .
فجاء الوحي مؤيدًا ما ذهب إليه عمر رضي الله عنه، وفيه عتاب للنبي ﷺ على اختيار الفداء على إثخان العدو بإزال العقوبة به.
والعتاب القرآني ليس انتقاصًا من مقام النبوة، بل هو من تمام الوحي والتوجيه والتربية المقصودة؛ فالله سبحانه يبين لنبيه ما هو أولى، وتتعلم الأمة من ذلك أن الاجتهاد البشري مهما بلغ لا يقدم على حكم الله.
فتلقى النبي ﷺ والصحابة الحكم الإلهي بالتسليم الكامل، دون حرج ولا تعصب لرأي سابق.
وهنا نتعلم أن المجتهد قد يرى وجهًا، ثم يأتي حكم الله على خلاف ما رأى؛ فإذا ظهر حكم الله انتهى الاجتهاد، وكان التسليم هو الموقف الذي لا يتردد فيه مؤمن.
الأحزاب وبنو قريظة.. حين احتمل النص أكثر من وجه
وبعد غزوة الأحزاب جاءت واقعة أخرى تكشف لنا وجهًا مختلفًا من الاجتهاد.
كانت المدينة قد تعرضت لخطر شديد؛ فقد اجتمعت حولها جموع المشركين، بينما كان المسلمون يواجهون الخطر من خارج المدينة.
وكان بنو قريظة، وهم من يهود المدينة، بينهم وبين النبي ﷺ عهد، فلما جاءت الأحزاب نقضوا عهدهم، وأصبح خطرهم من داخل المدينة يضاف إلى خطر الأحزاب من خارجها.
وبعد انصراف الأحزاب، جاء جبريل عليه السلام إلى النبي ﷺ، وأخبره أن الملائكة لم تضع السلاح، وأمره بالتوجه إلى بني قريظة وإجلائهم عن المدينة.
فأمر النبي ﷺ أصحابه بالمسير إليهم، وحثهم على الإسراع، وقال:
لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة.
فسمع الصحابة التوجيه نفسه، لكنهم فهموه على وجهين.
ففريق أخذ اللفظ على ظاهره، فقال: لن نصلي العصر حتى نصل إلى بني قريظة، فسار حتى وصل وأخر الصلاة حتى خرج وقتها .
وفريق فهم أن المقصود هو الإسراع في السير، لا إخراج الصلاة عن وقتها، فصلوا العصر في الطريق.
ولما بلغ النبي ﷺ ما فعله الفريقان لم يعنف واحدًا منهما، وإنما أقر الإجتهادين.
وهنا تظهر قاعدة مهمة:
قد يكون النص واحدًا، ثم يحتمل أكثر من معنى او وجه صحيح في الفهم، فيأخذ كل مجتهد بالوجه الذي ظهر له في ضوء اللغة والسياق والقرائن.
وهذا الاختلاف لا يعني أن أحد الفريقين رفض السنة أو أراد مخالفة النبي ﷺ، وإنما كان كل منهما يطلب الإمتثال والطاعة ﷺ.
ولكن.. ليس كل رأي اجتهادًا
وهنا تأتي قصة أخرى تضع لنا حدًا واضحًا للاجتهاد.
فقد أصيب أحد الصحابة في سفر بشج في رأسه، ثم أصابته جنابة، فسأل أصحابه عن حكمه، فأفتوه بالاغتسال، فاغتسل فمات.
فلما بلغ ذلك النبي ﷺ أنكر عليهم وقال:
قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العِيِّ السؤال.
وأشار عليه السلام إلى أنه كان يكفى التيمم لرفع الجنابة، طالما أن الماء يضره .
والعِيُّ :
هو العجز عن معرفة الحكم أو عدم القدرة على بيان الجواب؛ ولذلك كان علاجه السؤال، لا أن يتكلف الإنسان القول فيما لا يعلم.
وهنا قاعدة لا ينبغي أن تغيب عنا:
الاجتهاد ليس حقًا لكل أحد؛ وإنما هو لمن يملك أدواته وأهليته.
معاذ بن جبل.. والرواية المشهورة
ومن أشهر ما يذكر في هذا الباب قصة معاذ بن جبل رضي الله عنه حين بعثه النبي ﷺ إلى اليمن قاضيا، فقال له:
بم تقضي؟
قال: أقضي بكتاب الله.
قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟
قال: فبسنة رسول الله ﷺ.
قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله ولا في كتاب الله؟
قال: أجتهد رأيي ولا آلو.
فضرب رسول الله ﷺ في صدره وقال:
الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله.
والحديث مشهور في كتب الأصول، وقد ضعفه بعض أهل الحديث وتكلموا في ثبوته؛ ولذلك لا نجعله وحده أساسًا للمسألة، وإنما نذكره باعتباره من أشهر الروايات في هذا الباب.
من هنا بدأ الطريق
وهكذا تكشف لنا هذه الوقائع الثلاث صورة واضحة للاجتهاد في عهد النبي ﷺ:
في بدر رأينا اجتهادًا في نازلة لم يكن فيها نص،
وفي بني قريظة رأينا نصًا احتمل أكثر من وجه في الفهم،
وفي قصة صاحب الشجة رأينا الحد الذي يقف عنده الاجتهاد: العلم والأهلية.
وكان النبي ﷺ هو المرجع الذي تنتهي إليه الاجتهادات، وكان الوحي حاضرًا ليقرر الحكم ويصحح المسار.
ثم جاءت وفاة النبي ﷺ، فانقطع الوحي، وغابت المرجعية النبوية المباشرة، واتسعت حياة المسلمين، وظهرت وقائع جديدة تحتاج إلى اجتهاد.
فكيف اتسع الاجتهاد في عصر الصحابة والتابعين؟
وكيف انتقل من اجتهاد الأفراد إلى مدارس فقهية نشأت في الأمصار؟
هنا تبدأ المرحلة التالية من رحلتنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى