بقلم / محمـــد الدكـــروري
لقد ظل الحجر الأسود بعيد عن موضعة الأصلي في الكعبة المشرفة منذ أن وضعه في مكانة الخليل إبراهيم عليه السلام، وكان بحوزة القرامطة مدة اثنين وعشرين سنة في البحرين، ولم تجد كل المحاولات والمساعي التي بذلها العباسيون والفاطميون، من أجل الضغط على القرامطة وإجبارهم على إعادة الحجر الأسود، وقد عرض الخلفاء على القرامطة مبلغا قدره خمسين ألف ألف دينار مقابل إرجاعهم للحجر الأسود، لكن القرامطة ظلوا يخوضون في عنادهم، ولما رُد الحجر الأسود إلى مكة كان أمير مكة حاضرا مع حشد من أهلها، وأرجع سنبر الحجر بيديه إلى مكانه، وقيل إن رجلا يدعى حسن بن مزوّق البناء قام بنصب الحجر عند جدار الكعبة وأحكم مكانه بالجص، وفي هذه السنة المباركة في ذى القعدة منها.
رُد الحجر الأسود إلى مكانه في البيت، وقد كانت القرامطة أخذوه في سنة سبع عشرة وثلاثمائة وكان ملكهم إذ ذاك أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجنابي، ولما وقع هذا أعظم المسلمون ذلك جدا، وقد بذل لهم الأمير بجكم التركي خمسين ألف دينار على أن يردوه إلى موضعه، فلم يقبلوا، وقالوا نحن أخذناه بأمر، فلا نرده إلا بأمر من أخذناه بأمره، وقد ذكر غير واحد أن القرامطة لما أخذوه حملوه على عدة جمال، فعطبت تحته، واعترى أسنمتها القرح، ولما ردوه حمله قعود واحد ولم يصبه أذى” وقال ابن كثير في حوادث سنة ثلاثة مائة واثنين وثلاثين من الهجرة وفي رمضان من هذه السنة، كانت وفاة أبى طاهر سليمان بن أبي سعيد الحسن الجنابي الهجري القرمطي، رئيس القرامطة قبحه الله.
وهذا هو الذي قتل الحجيج حول الكعبة وفي جوفها، وسلبها كسوتها، وأخذ بابها وحليتها، واقتلع الحجر الأسود من موضعه وأخذه معه إلى بلده هجر، فمكث عنده من سنة سبع عشرة وثلاثمائة ثم مات وهو عندهم، لم يردوه إلى سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، ولما مات هذا القرمطي، قام بالأمر من بعده إخوته الثلاثة، وهم أبو العباس الفضل، وأبو القاسم سعيد، وأبو يعقوب يوسف، بنو أبي سعيد الجنابي، وكان أبو العباس ضعيف البدن، مقبلا على قراءة الكتب، وكان أبو يعقوب مقبلا على اللهو واللعب، ومع هذا كانت كلمة الثلاثة واحدة، لا يختلفون في شيء، وكان لهم سبعة من الوزراء متفقون أيضا، وقال ابن الأثير في كتابه الكامل في حوادث سنة ثلاثة مائة وتسع وثلاثين من الهجرة ذكر إعادة القرامطة الحجر الأسود.
وقال في هذه السنة أعاد القرامطة الحجر الأسود إلى مكة، وقالوا أخذناه بأمر، وأعدناه بأمر، وكان بجكم قد بذل لهم في رده خمسين ألف دينار، فلم يجيبوه، وردوه الآن بغير شيء في ذي القعدة، فلما أرادوا رده حملوه إلى الكوفة، وعلقوه بجامعها حتى رآه الناس، ثم حملوه إلى مكة، وكانوا أخذوه من ركن البيت الحرام سنة سبع عشرة وثلاثمائة، وكان مكثه عندهم اثنتين وعشرين سنة وكانت إقامة القرامطة بمكة أحد عشر يوما، فلما عاد القرمطي إلى بلاده رماه الله تعالى في جسده حتى طال عذابه، وتقطعت أوصاله وأطرافه، وهو ينظر إليها، وتناثر الدود من لحمه.

