لا للتنمر

حكمة وموعظة (1)
بقلم الأديب د. محمود طه
في إحدى محافظات مصر، كانت تعيش أسرة بسيطة تتكوَّن من الأب عم عوض، وهو نجار، والأم هنية ربة منزل، وابنهما الوحيد طارق.
كان طارق طفلًا جميل الخُلُق، حسن السيرة، وقد أكرمه الله بحفظ القرآن الكريم وهو في السابعة من عمره، فكان مثالًا للأدب والتفوق. لكنه كان يعاني عيبًا خلقيًا، الأمر الذي جعله عرضةً لتنمر بعض زملائه في المدرسة.
كان يعود إلى منزله كل يوم حزينًا، يحاول أن يمسح دموعه قبل أن يراه والداه، حتى لا يُشعرهما بما يعانيه. وكان يكتم ألمه في قلبه، ولا يشكو لأحد.
وفي أحد الأيام، ازداد الأمر سوءًا، فلم يكتفِ زملاؤه بالسخرية منه، بل امتدت أيديهم إليه بالضرب والإهانة، فانهار باكيًا، وفقد ثقته بنفسه، ثم عاد إلى المنزل، وأغلق على نفسه غرفته، ورفض الحديث مع الجميع.
لاحظ والداه تغير حالته، وحاولا مرارًا معرفة السبب، لكنه ظل صامتًا، كما امتنع عن الطعام والذهاب إلى المدرسة.
استشار عم عوض أخاه الأستاذ سالم، وكان يعمل معلمًا بإحدى المدارس الخاصة، فنصحه بالذهاب إلى طبيب نفسي للأطفال.
وبعد جلسات عدة، قال الطبيب:
“إن الطفل يعاني فقدانًا في الثقة بالنفس نتيجة تعرضه لموقف مؤلم، ورفضه الذهاب إلى المدرسة يدل على أن السبب مرتبط بما يحدث له داخلها.”
توجه الأب مع أخيه سالم إلى المدرسة للاستفسار، لكن أحد التلاميذ، ويدعى زياد، قال:
“يا عمو، أنا عارف اللي حصل… الأولاد كانوا بيتنمروا على طارق، وبيضربوه ويشتموه.”
حينها ذهب الأب إلى إدارة المدرسة، وقال بحزن:
“كيف يحدث كل هذا لابني داخل المدرسة دون أن يتدخل أحد؟”
اعترف مدير المدرسة بالتقصير، ووعد باتخاذ الإجراءات اللازمة. وتم استدعاء أولياء أمور الطلاب الذين تسببوا في إيذاء طارق، فقدموا اعتذارهم، وطلبوا من أبنائهم الذهاب إليه والاعتذار له.
وبالفعل، ذهب الأطفال إلى طارق، واعتذروا إليه بصدق، وتعهدوا بعدم تكرار ما فعلوه، فعادت الابتسامة إلى وجهه، واستعاد شيئًا من ثقته بنفسه.
العبرة:
التنمر ليس مزاحًا، بل جرحٌ قد يترك أثرًا عميقًا في النفس، وقد يدمر ثقة الإنسان بنفسه. وقد نهى ديننا الإسلامي الحنيف عن السخرية والاستهزاء وإيذاء الآخرين، فقال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾.
فلنتذكر دائمًا أن الناس جميعًا خلق الله، وأن قيمة الإنسان بأخلاقه وتقواه، لا بشكله أو هيئته. والكلمة الطيبة والرحمة بالآخرين من أعظم القربات إلى الله.



