قاسم أمين وهدى شعراوى وصفية زغلول صفحات مضيئة فى تاريخ النهضة المصرية وحقوق المرأة

بقلم : أيمن بحر
قبل أن يطلق البعض أحكاما متسرعة على رموز النهضة المصرية ينبغى أن نعود إلى التاريخ ونقرأه بوعى وإنصاف بعيدًا عن الشعارات الجاهزة والأفكار المسبقة لأن الأمم التي تحترم تاريخها لا تنتقص من رموزها دون معرفة حقيقية بما قدموه لمجتمعاتهم
قاسم أمين وفكرة تحرير المرأة
يعد قاسم أمين من أبرز المفكرين الذين ارتبطت أسماؤهم بقضية تحرير المرأة في مصر أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين فقد دافع عن تعليم المرأة وضرورة الارتقاء بمكانتها الاجتماعية والفكرية ورأى أن نهضة المجتمع لا يمكن أن تتحقق في ظل حرمان نصفه من فرص التعليم والمعرفة والمشاركة في الحياة العامة
لقد كانت أفكاره جزءًا من نقاش فكري واجتماعي واسع حول مستقبل المجتمع المصري وعلاقة التقاليد بالتطور وحقوق المرأة وواجباتها وقد واجهت دعوته انتقادات حادة من بعض معاصريه لكنها أسهمت في توسيع مساحة الحوار حول تعليم المرأة ومكانتها
ومن الإنصاف التاريخي الإشارة إلى أن قاسم أمين لم يكن وحده في هذا الطريق فقد سبقه وعاصره مفكرون ومصلحون آخرون أسهموا في تشكيل الفكر التنويري في مصر ومن بينهم الشيخ محمد عبده ورفاعة الطهطاوي وغيرهما
هدى شعراوي وتحويل الأفكار إلى عمل منظم
جاءت هدى شعراوي لتكون واحدة من أبرز رائدات الحركة النسائية المصرية وقد أسهمت في تحويل المطالب المتعلقة بتعليم المرأة وحقوقها إلى عمل مؤسسي منظم ففي عام 1923 أسست الاتحاد النسائي المصري وتولت رئاسته ليصبح من المنابر المهمة التي دافعت عن تحسين أوضاع المرأة المصرية
ركز الاتحاد على رفع المستوى الثقافي والاجتماعي للمرأة وتوسيع فرص التعليم والمطالبة بالحقوق السياسية والاجتماعية والعمل على إصلاح التشريعات المرتبطة بالأسرة والزواج والطلاق فضلًا عن الاهتمام بصحة المرأة والطفل
ولذلك فإن اختزال تجربة هدى شعراوي في مظهر أو موقف واحد أو تجاهل ما قامت به من عمل اجتماعي وتنظيمي يمثل قراءة قاصرة لتجربة تاريخية أوسع من الأحكام السريعة
لقد شهدت مصر خلال تلك المرحلة بروز نماذج نسائية رائدة أثبتت أن التعليم والمعرفة لا يتعارضان مع الهوية الوطنية بل يسهمان في بناء مجتمع أكثر قدرة على التقدم ومن هذه النماذج نبوية موسى وملك حفني ناصف وسيزا نبراوي ثم جاءت أجيال أخرى من العالمات والمثقفات والرائدات في مختلف المجالات
صفية زغلول وأم المصريين
أما السيدة صفية زغلول فقد احتلت مكانة خاصة في الذاكرة الوطنية المصرية لدورها خلال ثورة 1919 ومساندتها للحركة الوطنية بعد نفي زوجها الزعيم سعد زغلول
تحول منزلها إلى مركز مهم للنشاط الوطني والاجتماعات والتواصل بين أنصار الحركة الوطنية وأصبح بيت الأمة رمزًا للمشاركة الشعبية في مواجهة الاحتلال البريطاني كما جسدت صفية زغلول نموذجًا للمرأة التي لم تقف على هامش الأحداث بل شاركت في واحدة من أهم المحطات الفاصلة في تاريخ مصر الحديث
ولُقبت بأم المصريين تقديرًا لمكانتها الوطنية ودورها في الحياة العامة وهو لقب يعكس ما حظيت به من احترام واسع لدى قطاعات من الشعب المصري
تحرير المرأة قضية تعليم وكرامة ومشاركة
ومن المهم عند الحديث عن تاريخ المرأة المصرية ألا نحصره في ثلاثة أسماء فقط فهناك رفاعة الطهطاوي وملك حفني ناصف ونبوية موسى وسيزا نبراوي وغيرهن من الشخصيات التي أسهمت في تطوير الفكر الاجتماعي والتعليمي والوطني
ويمكن النظر إلى هذه المسيرة باعتبارها حلقات متكاملة بدأت بالأفكار الإصلاحية ثم اتجهت إلى التنظيم والعمل العام وصولًا إلى المشاركة الوطنية والمطالبة بتطوير القوانين والمؤسسات
كما ينبغي أن نميز بين الوقائع التاريخية الثابتة والتفسيرات التي تحتاج إلى أدلة فالتاريخ لا يُكتب بالمبالغة ولا يُنصف بالتجريح وإنما بالبحث والتوثيق والاعتراف بفضل أصحاب الإنجازات مع مناقشة أفكارهم وأخطائهم بموضوعية
إن كرامة المرأة لا تتحقق بالشعارات وحدها بل تحتاج إلى تعليم جيد وفرص عمل عادلة وحماية من العنف وإتاحة الفرصة للمشاركة في بناء المجتمع وصون حقوقها القانونية والإنسانية
والاختلاف حول قاسم أمين أو هدى شعراوي أو صفية زغلول حق مشروع لكن تحويل الاختلاف إلى إساءة أو تشويه لا يخدم الحقيقة ولا يضيف إلى النقاش شيئًا
إن مصر التي أنجبت هذه النماذج وغيرها من رواد الفكر والعمل الوطني تستحق منا قراءة تاريخها بعقول واعية وأقلام مسؤولة فالأمم لا تتقدم بإنكار جهود أبنائها وبناتها وإنما بفهم تجاربهم واستخلاص الدروس منها وبناء مستقبل أكثر عدلًا ووعيًا وكرامة للجميع.



