مقال

في مثل هذا اليوم.. رحيل الكاتب يوسف إدريس.


نهاد عادل
في مثل هذا اليوم الأول من أغسطس عام 1991، فقدت مصر والعالم العربي واحدًا من أعظم المبدعين في تاريخ الأدب العربي الحديث، الكاتب والطبيب يوسف إدريس، الذي رحل في لندن عن عمر ناهز 64 عامًا، بعد رحلة حافلة بالإبداع والنضال الفكري والإنساني، تاركًا خلفه إرثًا أدبيًا لا يزال حاضرًا بقوة حتى اليوم.

ولد يوسف إدريس علي في 19 مايو 1927 بقرية البيروم التابعة لمركز فاقوس بمحافظة الشرقية، ونشأ في بيئة ريفية أثرت بعمق في وجدانه، فكانت القرية المصرية بكل تفاصيلها حاضرة في كثير من أعماله الأدبية، لتصبح شخصياته مرآة صادقة للمجتمع المصري.
كان شغفه الأول هو العلوم، فالتحق بكلية الطب بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا)، وحصل على بكالوريوس الطب عام 1951، ثم تخصص في الطب النفسي. وخلال سنوات الدراسة لم يكن طالبًا عاديًا، بل شارك في المظاهرات المناهضة للاحتلال البريطاني ونظام الملك فاروق، وتعرض للسجن والإيقاف عن الدراسة عدة أشهر بسبب نشاطه السياسي.
عمل طبيبًا في مستشفيات القصر العيني، ثم مفتشًا للصحة، لكن عشقه للكلمة كان أقوى من سماعة الطبيب، فترك المهنة تدريجيًا ليتفرغ للصحافة والأدب، حيث عمل محررًا في جريدة الجمهورية، ثم أصبح أحد أبرز كتاب الأهرام.
بدأ يوسف إدريس نشر قصصه القصيرة في أوائل الخمسينيات، لكن انطلاقته الحقيقية جاءت عام 1954 مع مجموعته الشهيرة “أرخص ليالي”، التي أحدثت نقلة نوعية في فن القصة القصيرة العربية، ثم أتبعها بمجموعة “جمهورية فرحات” التي أكدت مكانته كواحد من أهم كتاب جيله.
وأشاد به عميد الأدب العربي طه حسين قائلًا:
«”أجد فيه من المتعة والقوة ودقة الحس ورقة الذوق وصدق الملاحظة وبراعة الأداء ما يبشر بكاتب كبير.”»
واعتبره كثير من النقاد المجدد الحقيقي لفن القصة القصيرة في العالم العربي، إذ استطاع أن يجعل من الإنسان البسيط بطلًا لأعماله، مقدمًا شخصيات نابضة بالحياة تنقل هموم المجتمع وآماله.
لم يقتصر إبداع يوسف إدريس على القصة القصيرة، بل كتب الرواية والمسرح والمقال السياسي والفكري، وامتازت أعماله بالجرأة والواقعية والقدرة على كشف تناقضات المجتمع.
كما عُرف بمواقفه الصريحة، فلم يتردد في انتقاد الأوضاع السياسية، وهو ما تسبب في منع بعض أعماله، وابتعاده عن الساحة لفترات، قبل أن يعود بقوة بعد حرب أكتوبر، ليواصل حضوره كأحد أهم الأقلام في الصحافة المصرية.
ومن المواقف اللافتة في حياته مشاركته عام 1961 مع الثوار الجزائريين في حرب التحرير، حيث أمضى عدة أشهر في الجبال، وأصيب خلال المعارك، ومنحته الجزائر وسامًا تقديرًا لدوره في دعم نضالها من أجل الاستقلال.

نال يوسف إدريس العديد من الأوسمة الرفيعة، من أبرزها:

  • وسام الجزائر عام 1961.
  • وسام الجمهورية عامي 1963 و1967.
  • وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1980.

تميز يوسف إدريس بثقافة موسوعية واسعة، فقرأ الأدب الروسي والفرنسي والإنجليزي والآسيوي، كما أثرت مهنة الطب في رؤيته الإنسانية، فاقترب من آلام الناس وأحلامهم، ونجح في التعبير عنها بصدق نادر، حتى بدا وكأنه يكتب من داخل شخصياته لا عنها.

وقد عاش أهم التحولات السياسية والاجتماعية في مصر، من العهد الملكي إلى ثورة يوليو، ثم نكسة 1967، وانتصار أكتوبر، وما تبع ذلك من تغيرات كبرى، فانعكست كل تلك المراحل على أدبه، ليصبح شاهدًا على عصر كامل

ومن أبرز أعماله الأدبية:

  • أرخص ليالي.
  • جمهورية فرحات.
  • الحرام.
  • العيب.
  • البيضاء.
  • العسكري الأسود.
  • لغة الآي آي.
  • الفرافير.
  • انطباعيات مستفزة.
  • الأب الغائب.
  • عزف منفرد.
  • الإسلام بلا ضفاف.
  • مدينة الملائكة.
  • الإيدز العربي.
  • ذكريات يوسف إدريس.

ترك يوسف إدريس العديد من العبارات التي ما زالت تتردد حتى اليوم، ومنها:

“أكتب لأول مرة لأقول أني مرعوب… يرعبني أن أكون ما زلت أحبك، ويرعبني أكثر أن أكون شفيت من حبك.”

“حياتنا سلسلة متشابكة من الصدف الصغيرة، قد يغير وقوع إحداها قبل الأخرى بثوانٍ مجرى حياتنا كله.”

“المشاكل نحن نخلقها حين نفتقر إلى التفاؤل، والتفاؤل هو الإرادة، وبالإرادة القوية تصبح الحياة كالبساط الممهد.”

و قد رحل عنا في الأول من أغسطس عام 1991، حيث أسدل الستار على حياة يوسف إدريس في العاصمة البريطانية لندن، لكن أعماله بقيت حية بين القراء، تدرّس وتناقش وتلهم أجيالًا متعاقبة من الأدباء والكتاب.

لقد كان يوسف إدريس أكثر من مجرد أديب أو طبيب؛ كان ضميرًا حيًا للمجتمع، وصوتًا للإنسان البسيط، ومبدعًا استطاع أن يترك بصمة خالدة في تاريخ الأدب العربي، ليظل اسمه حاضرًا كلما ذُكرت القصة القصيرة المصرية في أبهى صورها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى