سكتة قلب الصناعة: القصة الكاملة لتصفية الأصول وتبديد الثروة البشرية في مصر

بقلم: شريف السبع
باحث في الشؤون العمالية
لم تكن القلاع الصناعية في حلوان وكفر الدوار والتبين والزقازيق مجرد مبانٍ خرسانية تضم آلاتٍ صماء، بل كانت “القلب النابض” الذي يضخ الدم في شرايين الاقتصاد الوطني، ويصوغ الهوية الاجتماعية للطبقة العاملة المصرية. خلف تلك المداخن الشاهقة وفي ظلام الورديات الليلية، نُسجت حكايات الاستقلال والتنمية؛ هناك صُلب عود “الأسطى” الفني، وتشكلت مجتمعات كاملة قامت على الأمان الوظيفي، والأجر الثابت، والتأمين الصحي، والكرامة المرفوعة فوق منصات التشغيل.
لكن هذا الجسد الصناعي الثقيل تعرض لـ “سكتة قلبية” باغتت مجتمعاته الإنتاجية تحت لافتات براقة مثل “إعادة الهيكلة” و”وقف نزيف الخسائر”. جرى إيقاف أوردة التشغيل قسراً، وتوقفت أفران الصلب وبطاريات الكوك ومكوكيات الغزل،
لتتحول عقودٌ من التراكم المادي والمعنوي إلى قرارات ممتدة بتصفية الأصول وبيع الأراضي وشطب السجلات. لم تقف المأساة عند حدود هدم الخرسانة، بل امتدت لارتكاب الجريمة المسكوت عنها: “تبديد الثروة البشرية”. فبين عشية وضحاها، جُرّدت أندر الخبرات الفنية من هويتها المهنية، وأُلقي بعشرات الآلاف من العمال الماهرين في ظلمات الهشاشة، ليتحول الأسطى الذي كان يمسك بزمام خطوط إنتاج معقدة إلى عاطل على دكك المقاهي، أو سائق توك توك، أو يائس يطارد يوميات المياومة في سوق خدمية بلا حماية.
وفي الوقت الذي سُلّمت فيه الساحة بالكامل لشروط القطاع الخاص والمنافسة غير المتكافئة، وفي ظل موجات تضخم طاحنة وأعباء ديون متراكمة، تلقت الأسرة العمالية الضربة الأفدح؛ إذ انهارت هندسة أمانها الاجتماعي، وانكسرت مكانة عائلها، وتفككت الروابط التضامنية التي أمنّت بيوت العمال لعقود. تتناول هذه السطور القصة الكاملة لعملية تجريف الأصول والكوادر، متتبعةً آثار هذه السكتة من غرف القرارات المغلقة إلى أرصفة المهاجع المظلمة.
أولاً: شركات صُدرت بحقها قرارات تصفية وإغلاق نهائي
صمتت قلاع تاريخية وحُلّت شخصيتها القانونية بقرارات رسمية حاسمة:
القومية للأسمنت (2 أكتوبر 2018): انهمار الغبار على التبين عقب إغلاق أفرانها وتفكيك سواعدها.
الشركة المصرية للملاحة البحرية (23 فبراير 2020): إنزال أشرعة الناقل الوطني بالإسكندرية وتشتيت كوادرها.
شركة الحديد والصلب المصرية (11 يناير 2021): الفجيعة الكبرى وسكتة قلب الصناعة الثقيلة بحلوان بعد 67 عاماً من الصهر، لتتفتت كتلة نضالية ونقابية تاريخية.
شركة الشرقية للغزل والنسيج (28 مارس 2021): إطفاء المحركات بالزقازيق وتبديد خبرات عمالها.
شركة النصر لصناعة الكوك (5 سبتمبر 2022): إطفاء آخر البطاريات الكيماوية في حلوان.
شركة راكتا للورق (21 مارس 2024): جفاف حبر العملاق السكندري وتوقف صرحه التاريخي.
ثانياً: شركات انقضت شخصيتها الاعتبارية بالحل والدمج الشامل (فبراير 2021)
لم تقف المرثية عند التصفية المباشرة، بل امتدت لتطال الهوية القانونية لكيانات تاريخية كبرى أُُلغي وجودها واُدمجت أصولها وعمالتها ضمن مخطط تقليص الشركات:
قطاع الغزل والنسيج والصباغة:
شركة مصر صباغي البيضا (كفر الدوار)
شركة النصر للغزل والنسيج والتريكو – شوربجي (القاهرة)
شركة الدقهلية للغزل والنسيج (المنصورة)
شركة دمياط للغزل والنسيج
شركة بورسعيد للغزل والنسيج
شركة النصر للغزل والنسيج بكفر الدوار
شركة الوجه القبلي للغزل والنسيج
شركة إسكندرية للغزل والنسيج
شركة مصر للستار والدانتيل
شركة مدرار للغزل والنسيج
قطاع تجارة وحليج القطن:
شركة مصر لحليج الأقطان
شركة الشرقية لحليج الأقطان
شركة الدلتا لحليج الأقطان
شركة القاهرة لكبس القطن
قطاع التجارة الخارجية (يناير 2021):
الشركة العربية للتجارة الخارجية
شركة مصر للتجارة الخارجية
شركة مصر للمستوردات والمصنوعات
من عرش “الأسطى” إلى شتات الهشاشة
لم يقف الأثر عند حدود الإغلاق والدمج المباشر، بل امتد ليتجسد في تهجير قسري للعمالة الماهرة من قلب الإنتاج المُنظم إلى دروب الهشاشة الخدمية. إن الأسطى الذي أمضى عقوده يقرأ المخططات ويضبط خطوط التشغيل، وجد نفسه بين عشية وضحاها مطروداً من هويته المهنية، متقلباً بين كراسي المقاهي، وقيادة التوك توك، وانتظار يوميات المياومة بلا عقد ولا تأمين.
تسليم الساحة وانكسار البيوت
جاء هذا الانسحاب الكامل للدولة ليفسح المجال مطلقاً للقطاع الخاص، في ظل غياب المنافسة الوطنية والمظلة التأمينية. وفي تزامن أليم مع موجات التضخم المتصاعد وأعباء الديون، دفعت الأسرة العمالية الفاتورة الأفدح:
ضياع التنبؤ المعيشي: انهار الأمان الأُسري القائم على “الأجر الثابت” والعلاج التأميني، ليحل محله رعب العوز اليومي.
تأكل الكرامة المعنوية: تحول المعيل من رمز للإنتاج الفني إلى طارق للأبواب الهامشية، مما أحدث شرخاً نفسياً واجتماعياً عصف باستقرار البيوت وأجبر الأبناء على التسرب من التعليم.
تفكيك المجتمعات العمالية: فقدت أحياء تاريخية كحلوان والتبين وكفر الدوار والزقازيق روح التضامن والحرص الإنتاجي، لتركد تحت أعباء التهميش.
إن تجريف القلاع الصناعية لم يكن مجرد تخلص من خسائر مالية، بل كان تفكيكاً لهندسة الأمان الاجتماعي وتجريداً للطبقة العاملة من سياج كرامتها، ليبقى صدى خطوات العمال في ورديات الليل والنهار شاهداً على زمنٍ كان فيه الإنتاج حجر الزاوية لكرامة الوطن.



