الاوقاف

سعة رحمة الله  خطبة الجمعة 17/4/2026

 

بقلم: د كامل النحاس

 

مقدمة:

في رحاب الواسع

 

​إن الحديث عن رحمة الله ليس مجرد ترفٍ وعظي، بل هو استدعاء لأعظم صفات الربوبية التي سبقت غضبه وشملت بريته. إننا بصدد الحديث عن السعة التي لا يضيق معها ذنب، ولا ينقطع معها أمل.

هي الرحمة التي لولاها لما استقر قدم على أرض، ولا ارتفعت عين إلى سماء.

 

نبحر في هذا المفهوم لنعيد صياغة علاقتنا بالخالق على أساس من الحب والرجاء، بعيداً عن قنوط يغلق أبواب التوبة، أو يأس يسيء الأدب مع سعة الملك.

 

محاور الخطبة :

 

​أولاً: أصل الخلقة واستباق الرحمة للوجود

​إن الوجود بحد ذاته هو أول تجليات الرحمة؛ فالله عز وجل لم يخلقنا ليعذبنا،

بل أوجدنا ليرحمنا.

وتأمل في الاستباق الإلهي؛ فقد هيأ لنا الأرض بسبل الحياة من هواء وماء وقوت قبل أن نخطو عليها خطوة واحدة.

وفي الحديث الصحيح: لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي.

 

​فإن تقديم الرحمة هنا ليس تقديماً زمنياً فحسب، بل هو تقديم سيادة واستحقاق، لتكون الرحمة هي القانون الحاكم الذي تبنى عليه تصرفات الله مع عباده.

 

​ثانياً: شمولية الرحمة وعالمية العطاء

 

​رحمة الله سعة استوعبت الوجود كله، لا تحدها حدود ولا تمنعها سدود.

يقول تعالى: ورحمتي وسعت كل شيء.

 

​يقول قتادة: وسع الله برحمته كل شيء في الدنيا، وهي يوم القيامة للذين اتقوا.

​هي رحمة عامة بالرزق والكلأ للمؤمن والكافر، ورحمة خاصة باللطف للمؤمنين. هي التي جعلت الوحش يحنو على ولده، وهي التي تستر العورة، وتقيل العثرة، وتجبر الكسرة.

 

​ثالثاً: الرحمة في التعامل مع الخطايا

 

​من أعظم مظاهر السعة أنها لا تضيق بالذنوب وإن تراكبت.

القرآن ينادي المسرفين بنداء التحبب فى سورة الزمر: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله.

 

​ناداهم بلفظ عبادي وهم مسرفون، ليدل على أن تجاوز الحد في المعصية لا يخرج العبد من دائرة الملكوت ولا من حيز الطمع في الفضل.

وفي الحديث القدسي: يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي.

 

​رابعاً: الرحمة المتجسدة في التشريع

 

​التكاليف الشرعية في جوهرها رحمة، لم تأتِ للإعنات بل للإصلاح. والقاعدة الكبرى المشقة تجلب التيسير هي ثمرة هذه الرحمة.

 

​ يقول ابن القيم: الشريعة عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها.

​سعة رحمته تظهر في أنه لم يكلفنا ما لا نطيق، فجعل النية الصالحة تسبق العمل وتجزى بجزائه، وشرع الرخص لتبقى العبادة صلة وصل لا رحلة عناء.

 

​خامساً: اللطف الخفي وسعة التدبير

 

​تتجلى الرحمة أحياناً في المنع، فالله يمنع العبد ما يحب ليحميه مما يخاف.

​قول موثق: يقول الفضيل بن عياض: لو علمتم كيف يدبر الله أموركم، لذابت قلوبكم من محبته.

​هي رحمة تظهر في صرف السوء عنك وأنت تظن أنك حرمت، فالله أرحم بك من أمك؛

كما في الحديث حين رأى النبي امرأة تلزق ولدها ببطنها فقال: لله أرحم بعباده من هذه بولدها.

 

فكل قضاء منه هو رحمة مغلفة بالقدر.

 

​سادساً: مقتضيات الرحمة وكيف ننال السعة

 

​السعة تقتضي فتح الأبواب، ولكنها تطلب من العبد طرقها:

•​الاستغفار الصادق: وهو مفتاح الدخول إلى فضاء الأمان.

• ​رحمة الخلق: لقوله عليه الصلاة والسلام: الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.

•​الإحسان: فالرحمة قريبة من المحسنين الذين يترجمون الإيمان إلى نفع ملموس للناس.

 

​الخاتمة: الملاذ الأخير

 

​إن سعة رحمة الله هي الملاذ الذي نلجأ إليه حين تضيق بنا الأسباب، واليأس من هذه الرحمة ليس مجرد خطأ عابر، بل هو ضيق أفق وسوء أدب مع واسع الكرم. فلا يغرنك ذنبك فتعتزل التوبة، ولا تغرنك عبادتك فتستغني عن فضل الله؛ فالكل يدخل الجنة برحمته لا بمجرد عمله.

​اجعل من هذه السعة دافعاً للعمل والإقبال، واستشعر في كل تفاصيل يومك أنك محاط بلطف لو كشف لك غطاؤه لعرفت أن الله لم يتركك طرفة عين؛ فنم مستبشراً، وقم مستغفراً، وعش لربك محباً.

ahmdabwyhyy224@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *