تأليف الكاتب / محسن رجب جودة
لم يعد ليل المنيا كما كان؛ فالهواء الذي كان يحمل رائحة طمي النيل وزهر البرتقال، صار ملوثاً برائحة غريبة.. رائحة “التبغ المر” وبزات العساكر التي تفوح منها غطرسة الحديد. على بُعد كيلومترات قليلة من دار زينب، كان المعسكر الإنجليزي يرتفع كجرحٍ في خاصرة الأرض، خيامٌ بيضاء مدببة تشبه أنياب الضباع تحت ضوء القمر.
داخل المعسكر، كان “السير أرثر”، الضابط الذي لا تفارق السيجار يده، يضحك بزهوٍ وهو يسكب الخمر لرفاقه، غير آبهٍ بأن الأرض التي يدوسها بجزمته العسكرية اللامعة، تختزن في جوفها ثأراً يغلي. بالنسبة له، هؤلاء الفلاحون ليسوا سوى “ظلال” تعمل في الحقول، كائناتٍ ولدت لتخدم إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس.
لكن في الجانب الآخر من الظلام، كانت “زينب” قد تحولت هي نفسها إلى ظلٍ لا يُرى.
قضت زينب أسبوعها الأول في مراقبة “دبيب النمل”. عرفت متى يخرج الجندي “توماس” ليدخن سيجاره بعيداً عن أعين الضباط، وعرفت أين يقف “ويليام” ليقضي حاجته قرب شجرة الجميز المهجورة. تعلمت كيف تكتسب لون الأرض، وكيف تتحرك دون أن ينكسر تحت قدمها غصنٌ واحد.
كانت تلبس ثيابها السوداء المصبوغة بصبغة “النيلة” الداكنة، وتغطي وجهها بوشاح لا يظهر منه سوى عينين تقدحان شرراً. لم تعد زينب تشعر بالبرد أو الجوع؛ كان غليلها هو وقودها الوحيد.
في ليلةٍ مقمرة، اختارت زينب طريدتها الأولى. جندي شاب، يبدو في مقتبل العمر، كان يترنح مخموراً وهو يبتعد عن حدود الأسلاك الشائكة، مدفوعاً بفضولٍ أحمق لاستكشاف تلك “الخرائب” القريبة التي تحكي عنها الأساطير.
تسللت زينب خلفه كقطةٍ برية. كان قلبها يدق بعنف، ليس خوفاً، بل حماساً للحظة الحقيقة. حين وصل الجندي إلى منطقة تكتنفها الأشجار الكثيفة، تعمدت أن تكسر غصناً يابساً خلفه.
التفت الجندي بذعر، رافعاً بندقيته المجهزة بالحربة اللامعة: “Who is there” (من هناك؟).
لم يجبه سوى صمت الريف. استدار الجندي مرة أخرى، لكنه في لمحة بصر، وجد خيالاً أسوداً ينقضُّ عليه من خلف نخلةٍ عتيقة. لم يسعفه الوقت ليضغط على الزناد؛ فكانت يد زينب القوية قد أطبقت على فمه، واليد الأخرى تغرز السكين في رقبته بدقةٍ مذهلة، تماماً كما تُذبح الذبائح في العيد.
سقط الجندي بين يديها. شعرت بدمه الساخن يتدفق على ثوبها، وشعرت بجسده يرتجف ثم يسكن تماماً. في تلك اللحظة، لم تشعر زينب بالندم؛ بل شعرت بأن روح “محيي” قد رفرفت فوق رأسها بابتسامةٍ باردة.
نظرت إلى وجه الجندي الشاحب تحت ضوء القمر، وقالت بفحيحٍ مرعب:
”ده أول الغيث يا خواجة.. لسه الحساب طويل.. والأرض اللي طمعت فيها، هي اللي هتاكلك.”
بكل قوتها، سحبت الجثة نحو الحفرة التي أعدتها مسبقاً في قلب حقل القمح. أهالت عليه التراب بيديها، ثم بدأت تمهد الأرض فوقه بعناية، وزرعت فوق القبر شتلة صغيرة من الصبار، كعلامةٍ لا يفهمها أحدٌ غيرها.
عادت زينب إلى دارها قبل أن ينشق الفجر. غسلت يديها بماء النيل البارد، ونظرت إلى انعكاس وجهها في المرآة المكسورة. لم تعد ترى “زينب الفلاحة”؛ بل رأت “عزرائيل الصعيد” الذي بدأ لتوّه مهمة تطهير الأرض.
واحد.. وبقي ثمانية وعشرون.



