مقال

الوالدان.. رحمةٌ موصولة وبرٌّ لا ينقطع


بقلمي: جمال القاضي

في زحمة الحياة ومشاغلها اليومية، وفي غمرة ركضنا المستمر خلف الأمنيات والتطلعات، ننسى في كثير من الأحيان الجواهر الثمينة التي تحيط بنا، والنعم الجليلة التي نعيش في ربوعها دون أن نشعر بقيمتها الحقيقية. وإن من أعظم هذه النعم التي لا تُقدّر بثمن وجود الأب والأم؛ فهما اللذان يمثلان في حقيقة الأمر روح البيت ونبضه، والدرع المنيع وصمام الأمان الذي يحمي الأسرة من نوائب الدهر وتقلبات الأيام.

إن البيت الذي يخلو من وجود الوالدين ( أو أحدهما )، يتشابه تماماً مع منزل حديث بُني بأفخم طراز وجُهّز بأحدث وسائل الراحة والرفاهية، لكنه يفتقد للدفء، ويخلو من روح الحياة التي لا تُستجلب بمال ولا تُعوض بكنوز الأرض.

اقتران الإحسان بالتوحيد: مكانة لا تدانيها مكانة

لم يكن من قبيل المصادفة أن يقرن الخالق سبحانه وتعالى عبادته وحقه في التوحيد بالبر والإحسان إلى الوالدين، بل كان ذلك إشعاراً بعظم دورهما وجليل فضلهما. يقول الحق تبارك وتعالى في محكم التنزيل: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء: 23].

لقد جعل الشارع الحكيم رضا الوالدين سبباً رئيسياً لنيل رضا الرب، وسخطهما سبباً لخسارة الدنيا والآخرة؛ فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «رِضَى الرَّبِّ فِي رِضَى الْوَالِدَيْنِ، وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الْوَالِدَيْنِ» [رواه الترمذي]. فكيف يستجلب الإنسان بركة في رزقه، أو توفيقاً في حياته، وهو يفرط في هذا الباب العظيم من أبواب الجنة؟

عاطفة الوالدين: حلمٌ لا ينضب وعطاءٌ بلا حدود

من أشد المواقف إيلاماً للنفس ذلك التباين في سلوك الأبناء تجاه آبائهم. ففي كثير من الأحيان، يقع الابن أو الابنة في خطأ رفع الصوت أو التعامل بأسلوب غير لائق يفتقر إلى الأدب مع والديه، ومع ذلك يواجه الأب والأم هذا السلوك بابتسامة متسامحة وصدر رحب، متظاهرين بأن شيئاً لم يكن. يُخيَّل للأبناء حينها أن الأمر مرّ بسلام وأن الوالدين لم يغضبا، لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير!

إن في داخلهما حسرة مكتومة وألماً صامتاً؛ يعتصر قلوبهما الحزنُ ليس كبراً ولا غضباً من الولد، بل لشعورهما بأن جهدهما في التربية لم يثمر الشكل الذي تمنوه، وتأصُّلاً في نفوسهم بأن أبناءهم لم يقدروا حجم مشاعرهما. ورغم هذا الألم الداخلي، يرفض الأب وتأبى الأم أن يُظهرا ذلك الزعل أو يعاقبا الأبناء، لأنه لا يوجد أب أو أم في هذا العالم يحتمل رؤية أبنائه مكسوري الخاطر أو متألمين.

وفي المقابل، نجد الحساسية المفرطة لدى الأبناء؛ فلو ارتفع صوت الأب أو غضبت الأم لسبب ما ( وغصباً عنهما وفي الغالب لصالح الابن وتوجيهه ) تجد الأبناء ينكفئون على أنفسهم، ويغضبون، ويتوهمون أن حقوقهم قد هُضمت، غافلين عن أن هذا الحزم ينبع من خوفٍ صادق وحبٍّ عميق لا يبتغي سوى مصلحتهم.

الأب.. عمود الخيمة وباب الأمان المغلق

إن الأب هو السند الحقيقي والصخرة التي تتحطم عليها أمواج المشاكل والأزمات. إنه الباب المغلق المتين الذي يقف حائلاً بينك وبين نوائب الحياة؛ يصد عنك ضرباتها، ويتحمل في سبيلك الهموم والأثقال دون أن يشتكي.

الأب هو الكادح الذي يسعى في مناكب الأرض ليل نهار ليوفر لبيته عيشاً كريماً، يحمل الهموم فوق رأسه بشجاعة وصمت، فيفلتر لك الحياة؛ يمتص كل ما هو سيئ وقاسٍ ومؤلم، ولا يمرر لك إلا ما يسعدك ويدخل السرور على قلبك. إن لرؤيته هيبة، وفي وجوده أماناً، وفي أُنسه راحة لا تُقاس.

الأم..صمام الأمان ومرجعية الروح

أما الأم، فهي المدرسة الأولى التي نتعلم منها الفضيلة، والصبر، والجلد في مواجهة أعباء الحياة. الأم هي صمام أمان الأسرة ومصدر الحنان الدافق الذي لولاه لشعر الإنسان بقسوة هذا العالم وجفافه.

هي الصديقة الأقرب للابنة، والسر الأمين للابن، والحافظة لكرامة زوجها وبيتها. هي البلسم الشافي لآلام الزوج بعد يوم عمل شاق، والداعم الأساسي الذي يبعث الأمل في روح الابن كلما طوقته الهزائم والاحباطات. الأم هي سر ذاك الشعور العميق الذي يعتري المرء فور دخوله البيت حين يفرغ شحنته النفسية قائلاً: “آه.. لا يستريح المرء إلا في بيته ” فالعاطفة التي تملأ هذا البيت هي نبض الأم، والمرجعية التي نشحن منها طاقاتنا لنستمر في مواجهة الحياة هي حنانها ودعاؤها.

مرارة الفقد.. وحين لا ينفع الندم

إن الخطر الأكبر يكمن في أن يتعامل المرء مع وجود والديه كأمر مسلم به، فلا يشعر بقيمتهما إلا بعد فوات الأوان. حين يغيب الأب أو ترحل الأم، تبدأ مرحلة الجلد الذاتي والمحاسبة الأليمة؛ حيث يراجع الإنسان شريط حياته آلاف المرات: “نعم.. لقد أغضبتُهما في ذلك الموقف”، “يا ليتني لم أرفع صوتي”، “كيف أخطأتُ في حقهما؟”.

لكن السؤال القاسي الذي يتردد صدائه حينها: أين هما الآن لنقول لأحدهما: ( أنا آسف.. سامحني )؟
وحينها فقط، يكتشف الإنسان بمرارة أنه يكلم نفسه، ويناجي أطيافاً رحلت، ويتمنى لو تعود به اللحظات ليقبل أيديهما وأقدامهما، ولكن هيهات هيهات أن يعود الزمان!

روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ»، قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا، ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ».

واجبنا نحوهم: كيف نتعامل مع هذا الكنز؟

حتى لا نمر بهذه المرحلة المظلمة من عتاب الذات، وحتى لا نذوق مرارة الندم بالفقد الذي لا يُطاق، يستوجب علينا إعادة تنظيم سلوكياتنا وطريقة تعاملنا مع الوالدين وفق خطوات عملية وملموسة:

١- خفض جناح الذل والرحمة:
أن نتعامل معهما بأدبٍ جمٍّ ولينٍ في القول، ونبتعد تماماً عن رفع الصوت، أو جرح مشاعرهما، أو التضجر من أوامرهما.

٢- المبادرة بالإرضاء والاعتذار الفوري:
إذا بدر منا أي خطأ أو تقصير، يجب ألا تأخذنا العزة بالإثم، بل نسارع بطلب العفو والمغفرة ورضاهم قبل أن تنام أعينهما وهما غاضبان.

٣-الإنفاق والرعاية وتلبية الاحتياجات:
الاستباق في تلبية متطلباتهما دون أن نضطرهما للطلب، وإشعارهما بأنهما أصحاب الفضل والأولوية الأولى في حياتنا، لا سيما عند الكبر.

٤- شغف الاستماع والمشورة:
إعطاؤهما المساحة الكافية للحديث والاستماع لإرشاداتهما باهتمام، وأخذ رأيهما في أمور حياتنا، مما يشعرهما بقيمتهما وأهمية دورهما المستمر.

٥البر بعد الرحيل:
إن كان الله قد اختار أحدهما أو كليهما إلى جواره، فإن البر لا ينقطع؛ بل يستمر بالدعاء الصادق لهما، والاستغفار، والتصدق عنهما، وصلة الرحم التي لا تُوصل إلا بهما، وإكرام صديقهما.

وختاماً عليك أن تعلم..
إن الوالدين كنزٌ بين يديك اليوم، وثروة روحية وإنسانية لا تعوض. حافظ على هذا الكنز قبل أن يتدحرج من بين يديك، واعلم أن ما تزرعه اليوم مع والديك من برٍّ أو عقوق، ستحصده غداً حتماً من أبنائك، فاحرص على أن تكون صحيفتك بيضاء مع من كانا سبباً في وجودك ورغد عيشك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى