بقلم / محمـــد الدكـــروري
إذا كان الشرع الإسلامي السمح قد أخذ على كاهله مهمة الرعاية للمسنين، والتخفيف عن المسن، كما رأيت، كان على القوانين والدساتير في المجتمعات والدول أن تحذو هذا الحذو، وأن ترتشف من نبع هذا النهج، فلا قيمة لدساتير أو قوانين لا تتكفل بحقوق المسنين ورعايتهم، وهل تنصر المجتمعات والشعوب إلا بضعفائهم ومشايخهم؟ ويمكن أن نجمل الهدي النبوي في التعامل مع المسنين في عدة نقاط هي مسئولية المجتمع بكامله وخاصة الشباب عن شيوخه ومسنيه، علما بأن رعاية المسنين واجب عيني على الأنظمة والحكومات والشعوب، ويتمدد الواجب إلى حشد الجهود الفردية والجماعية والرسمية وغير الرسمية لرعاية المسنين، وأيضا الرعاية الكاملة والشاملة للمسن، صحيا ونفسيا وعقليا وإجتماعيا، وغيرها من صور العناية، وقد جمعها اللفظ النبوي الشريف.
في جملة إكرام ذي الشيبة، وكذلك توقير المسنين في المعاملات الإجتماعية اليومية المختلفة، وأيضا تقديم المسنين في وجوه الإكرام عامة، كالإمامة والطعام والشراب، وأيضا التخفيف عن المسنين في الأحكام الشرعية، ومراعاة الفتوى الشرعية لهم، وروي عن المعلى بن زياد أنه قال كان عامر بن عبد الله قد فرض على نفسه كل يوم ألف ركعة وكان إذا صلى العصر جلس وقد إنتفخت ساقاه من طول القيام فيقول يا نفسي بهذا أمرت ولهذا خلقت يوشك أن تذهب الغيابق، وكان يقول لنفسه قومي يا مأوى كل سوء فوعزة ربي لأزحفن بك زحف البعير وإن استطعت أن لا يمس الأرض من رهمك لأفعلن، ثم يتلوى كما يتلوى الحب على المقلى ثم يقوم فينادي اللهم إن النار قد منعتني من النوم فاغفر لي ” وعن عون بن أبي شداد، أن عبد الله بن غالب.
كان يصلي الضحى مائة ركعة ويقول لهذا خلقنا وبهذا أمرنا ويوشك أولياء الله أن يكفوا ويحمدوا ” وإن الإسلام يقرر حقيقة أن المُلك لله وليس لأحد ملك خارج عنه إذ الأرض ومن فيها لله وحده، وأن المال أيضا ملك لله سبحانه وتعالى، غير أن الله تبارك وتعالى قد جعل للإنسان ولاية على ذلك المال وملكا مجازيا له، وجعله مستخلفا فيه وقائما عليه، غير أن هذه الملكية وهذا الإستخلاف من أجل أن يستعين العبد على طاعة الله عز وجل والإنفاق فيها، فإن هذه الدنيا وسيلة وليست غاية في ذاتها، فهي تبلغه الآخرة، ولقد راعى الإسلام في نظامه الاقتصادي الأخلاق الفاضلة، فقد حرّم كسب المال من السرقة والغصب، وحرّم إنماءه من الغش والغرر بالناس، وحرم صرفه في الفواحش والمنكرات، بل حث على كسبه من الحلال، وتنميته بالحلال، وإنفاقه فيما يرضي الله تعالى.
وكذلك مسألة الأخلاق ومنها ما تركه الإسلام للأفراد مثل مراعاة الأمانة والصدق، ومنها ما للدولة، فتدخل الدولة لتقويم نشاط الفرد الاقتصادي، كما إذا تاجر بالخمور، وأيضا تحفيز الإسلام إلي العمل والإنتاج، فإن ارتفاع الأمم وهبوطها، وبقاءها واندثارها يرتبط ارتباطا كبيرا بعمل أبنائها وتطلعاتهم واهتماماتهم، فلن ترتقي أمة يميل أبناؤها إلى الدّعة والراحة والسكون، ويؤثرون على العمل الجاد الذي يسهم في بناء الأمة ، وإن نهضة الأمم والشعوب ورقيها وسيادتها وسعادتها تتوقف على تقدمها في مجال العلم والعمل، وبهما تبني الأمم أمجادها فلا تبنى الأمجاد على البطالة والجهل والفقر والمرض، ورحم الله من قال بالعلم والمال يبنى الناس ملكهم لم يبنى ملك على جهل وإقلال، وبالعمل والاحتراف المتقن تتبوأ الشعوب الصدارة بين الأمم، والله سبحانه وتعالى يحب اليد التي تعمل.
وتجتهد لتقدم الخير لنفسها ووطنها ودينها، والمؤمن المحترف يحبه الله ورسوله جزاء ما قدم، ومن أحبه الله ورسوله هداه الله واجتباه وحفظه ووقاه وجعله من أوليائه وأدخله في رحمته فيسعد في الدنيا والآخرة، ولقد حفز النبي صلي الله عليه وسلم علي العمل والإعمار مهما كان حجمه، والإعمار والإحياء إما بالزرع أو حفر الآبار،أو بالبناء عليها، كبناء المصانع، والشركات المنتجة لما يلزم للناس، ونحو ذلك، ولقد أخبرنا النبي صلي الله عليه وسلم أن العمل الجاد يسبب محبة الله تعالى لتلك الأيادى، منها يد الفلاح في حقله، والعامل في مصنعه، والعالم في محرابه، والمعلم في معهده، والطبيب في عيادته، وغيرهم من رجال يسهرون على راحتنا، وهؤلاء لهم ثواب عظيم، لأن النبى صلى الله عليه وسلم يقول “من بات كالا من عمل يده بات مغفورا له” رواه الطبراني، وقوله صلي الله عليه وسلم “إن الله يحب المؤمن المحترف”


