
بقلم: أشرف عبد الحميد
يمتلك الكاتب الصحفي والبرلماني مصطفى بكري قدرة استثنائية على إشعال السجالات السياسية وتصدير الملفات الشائكة إلى الواجهة الإعلامية. غير أن إطلالته الأخيرة ودعوته الصريحة والمباشرة إلى فتح مسار دستوري جديد يتيح استمرار الرئيس عبد الفتاح السيسي في مقاليد الحكم لما بعد عام 2030 — عبر صياغة “دستور جديد للدولة المصرية” يُصفّر العداد الرئاسي — لم تكن مجرد بالون اختبار عابر، بل كانت تجسيداً صارخاً لنهج يحاول إخضاع وثيقة الدستور لمتطلبات اللحظة السياسية وتفصيلها على مقاس الرموز لا المؤسسات.
إن مرافعة بكري، والتي خاض من أجلها سجالاً حاداً ومثيراً على الشاشات أمام الإعلامي عمرو أديب، تنطلق من منطق يضع “الضرورة والاستثنائية” فوق قداست النصوص القانونية والعقد الاجتماعي للمصريين.
أولاً: تشريح الخطاب السياسي لمصطفى بكري
تستند المنظومة الفكرية التي يسوّق لها مصطفى بكري إلى ثلاث دعائم رئيسية تعكس فلسفة “دولة الرجل الواحد”:
ارتهان الاستقرار بالشخص: يفترض بكري في طرحه أن استكمال المشروعات القومية الصخمة وحماية الأمن القومي في ظل البيئة الإقليمية المضطربة يرتبطان وجودياً ببقاء القيادة ذاتها، وهو طرح يفرغ مؤسسات الدولة الوطنية من قدرتها على إنتاج قيادات جديدة ويكرس فكرة “الغياب الكلي للبديل”.
التوظيف العاطفي للتاريخ: يلجأ بكري إلى استدعاء اللحظات التاريخية الاستثنائية (كمقارنة الموقف بلحظة تنحي جمال عبد الناصر عام 1967) ليصنع حالة من المشروعية الشعبية العاطفية، مطبقاً منطق “الواجب الوطني” الذي يجب أن تتضاءل أمامه النصوص والمدد الدستورية المحددة.
الدستور الجديد كبوابة تلتف على القانون: يطرح بكري فكرة “تأسيس دستور جديد” وليس مجرد تعديل مواد، في محاولة منه لإيجاد مخرج قانوني يتيح إعادة تصفير مدة الحكم وإحكام الغطاء الشرعي على التمديد، واصفاً ذلك بأنه مبادرة شجاعة لتجنب الفراغ السياسي مستقبلاً.
ثانياً: لماذا تثير تصريحات بكري هذا الغضب السياسي؟
تتجاوز خطورة الخطاب الذي يتبناه مصطفى بكري حدود الرأي السياسي والشخصي، لتصطدم مباشرة بأسس ومبادئ الدولة الحديثة:
تفريغ الدستور من قيمته كعقد اجتماعي: عندما يروج برلماني وفكر إعلامي لإمكانية صياغة دستور جديد كلما اقترب نهاية أجل المدة الرئاسية، فإنه ينزع عن الدستور صفة الثبات والاستقرار، ويحوله من “مرجعية حيوية تحكم السلطة” إلى “أداة مرنة في يد السلطة”.
النقص المباشر في حق قدرات المؤسسات الوطنية: إن الإصرار على ترويج نغمة “ألا بديل متوفر بعد 2030” يمثل انتقاصاً غير مباشر من كبرياء الدولة المصرية والمؤسسات العريقة القادرة على إنجاب وتأهيل كوادر قادرة على تحمل المسؤولية الاستراتيجية للبلاد.
ضرب جهود الإصلاح والحوار الوطني: يبعث هذا الطرح برسائل إحباط حادة للشارع والقوى المدنية، إذ يظهر اللعبة السياسية وتجربة الحوار الوطني وكأن مخرجاتها المستقبلية محسومة ومغلقة سلفاً، مما يقلل من حيوية المجتمع ويذكي حالة التبلد السياسي.
ثالثاً: ورقة تقدير موقف — تداعيات خطورة مسار “تصفير العداد”
يقدم هذا السجال قراءة استراتيجية حذرة حول مآلات الانصياع لرؤية بكري وتأثيرها على الأمن القومي والمشهد السياسي:
1. المخاطر السياسية والدستورية:
تغذية عدم اليقين المستقبلي: إن فتح باب الدساتير والتعديلات التفصيلية يضرب الاستقرار التشريعي ويضعف ثقة المستثمرين والمؤسسات الدولية في ثبات القواعد الحاكمة للدولة.
إضعاف شرعية الانتقال السلمي: يمنع هذا المسار مصر من تقديم نموذج تاريخي ومؤسسي في التداول السلمي والسلس للسلطة، وهو النموذج الذي تحتاج إليه البيئة المصرية لترسيخ نضجها السياسي.
2. تراجعات الصورة الذهنية للدولة:
تضع هذه التصريحات الدولة المصرية في مواجهة انتقادات دولية وحقوقية واسعة، حيث تُظلم الإنجازات الميدانية والتنموية تحت وطأة اتهامات “تكريس الحكم الممتد” وتعديل القوانين لصالح البقاء في السلطة.
خلاصة
إن مصطفى بكري، بصلابته الإعلامية وحماسه المعهود، يقدم حجة تتغنى بالاستقرار الظاهري، لكنه يغفل أن الاستقرار الحقيقي والوحيد الذي يدوم للأجيال هو استقرار المؤسسات وتداول السلطة وسيادة القانون.
إن عظماء التاريخ ورجال الدولة الكبار لا يقاس أثرهم بما شيدوه من مبانٍ وحسب، بل بالنموذج الدستوري المحترم الذي يتركونه خلفهم. ومصر التي صمدت عبر آلاف السنين أكبر وأقوى من أن تُرتهن بوجود أشخاص، وسيبطل التاريخ كل الحجج التي تحاول تعطيل العداد الدستوري باسم “الضرورة”، ليظل احترام العقد الاجتماعي هو الضامن الأوحد والمطلق لأمن واستقرار هذا الوطن.



