مقال

اتفاقية تركيا وليبيا تعيد رسم حسابات شرق المتوسط.. كيف تتشابك المصالح المصرية والتركية والإسرائيلية؟

بقلم: أيمن بحر

فى تطور جديد يعيد ملف ترسيم الحدود البحرية إلى واجهة المشهد الإقليمى وافق مجلس النواب الليبى فى شرق البلاد يوم 20 أكتوبر 2026 على مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية السابقة عام 2019، في خطوة أثارت اعتراضات مصرية ويونانية وإسرائيلية، وأعادت فتح باب التساؤلات حول مستقبل الصراع على النفوذ وموارد الطاقة في شرق البحر المتوسط.

وجاء القرار بعد سنوات من رفض البرلمان الليبي الاتفاقية، وإلغاء قرارات سابقة كانت قد رفضتها ودعت إلى قطع العلاقات السياسية مع أنقرة. ويعكس هذا التحول تغيرًا في حسابات الأطراف الليبية، في ظل سعي تركيا إلى توسيع علاقاتها مع مختلف مراكز القوة داخل ليبيا.

مصر تتمسك بحقوقها البحرية

تتمثل نقطة الخلاف الأساسية في التداعيات القانونية والسياسية للاتفاقية على مناطق الاختصاص البحري، بما فيها المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري.

وقد أعلنت مصر، في بيان رسمي صادر عن وزارة الخارجية يوم 21 أكتوبر 2026، رفضها القاطع لتصديق البرلمان الليبي على مذكرة التفاهم، مؤكدة أنها تعتبرها باطلة بطلانًا مطلقًا ولا يترتب عليها أي أثر قانوني بالنسبة إلى مصر، وأنها تمس حقوقها السيادية في منطقتها الاقتصادية الخالصة وجرفها القاري.

وأكدت القاهرة تمسكها باعتراضها السابق على الاتفاقية، واحتفاظها بحقها في حماية مصالحها وفقًا للقانون الدولي.

وتكتسب القضية أهميتها من ارتباطها بملفات استراتيجية تشمل ترسيم الحدود البحرية، واستكشاف الغاز الطبيعي، ومستقبل الاستثمارات ومشروعات الطاقة في منطقة شرق المتوسط.

لماذا تغيرت حسابات شرق ليبيا تجاه تركيا؟

على مدى سنوات، اتسمت العلاقات بين تركيا والسلطات المتمركزة في شرق ليبيا بالتوتر، بينما دعمت أنقرة حكومة طرابلس السابقة سياسيًا وعسكريًا.

لكن المشهد شهد تغيرًا ملحوظًا مع تطور الاتصالات بين تركيا والمعسكر الشرقي، بما في ذلك التعاون العسكري الذي تناولته تقارير إعلامية في يوليو 2026.

ويشير هذا التحول إلى أن أنقرة تسعى إلى بناء علاقات أوسع داخل ليبيا، بدلًا من حصر نفوذها في طرف واحد، بما يمنحها مساحة أكبر للتحرك السياسي والعسكري والاقتصادي.

ومع ذلك، فإن موافقة البرلمان الليبي لا تعني بالضرورة انتهاء الخلافات القانونية بشأن الاتفاقية، ولا تلغي اعتراضات الدول الأخرى التي ترى أن ترتيباتها البحرية تتعارض مع حقوقها ومصالحها.

إسرائيل واليونان وقبرص.. صراع المصالح البحرية

لم يقتصر الاعتراض على مصر واليونان وقبرص، إذ أعلنت إسرائيل أيضًا رفضها الشديد لموافقة البرلمان الليبي على الاتفاقية، وفقًا لما نقلته رويترز في 21 أكتوبر 2026.

وتتداخل هذه الخلافات مع التنافس على موارد الطاقة ومسارات نقلها إلى الأسواق الأوروبية، فضلًا عن المشروعات التي تستهدف ربط شبكات الكهرباء بين دول المنطقة وأوروبا.

ومن بين الملفات المطروحة مشروع خط أنابيب «إيست ميد»، الذي يستهدف نقل الغاز من شرق المتوسط إلى أوروبا، ومشروع الربط الكهربائي المعروف باسم «جريت سي إنتركونيكتور»، الذي يستهدف تعزيز الربط بين اليونان وقبرص وشبكات الكهرباء الأوروبية، مع ارتباط إسرائيل بالمرحلة الأوسع من التصور المطروح.

لكن من المهم التمييز بين التأثير المحتمل للخلافات البحرية على هذه المشروعات وبين القول إن الاتفاقية أوقفتها بالفعل؛ فذلك يحتاج إلى أدلة محددة بشأن المسارات المعتمدة والقرارات التنفيذية والعقبات القانونية الفعلية.

هل تخدم الاتفاقية تركيا وتضر بمصالح أطراف أخرى؟

من منظور التحليل الجيوسياسي، تمنح الاتفاقية تركيا أساسًا تفاوضيًا تتمسك به في خلافاتها البحرية بشرق المتوسط، بينما ترى مصر واليونان وقبرص أن الترتيبات المرتبطة بها تمس حقوقها أو تتجاهل مطالبها البحرية.

أما إسرائيل، فيرتبط موقفها بحسابات أوسع تشمل علاقاتها باليونان وقبرص، ومصالحها في الطاقة والأمن الإقليمي.

وهنا تظهر حقيقة مهمة: تعارض المصالح في ملف معين لا يعني بالضرورة وجود تحالف كامل بين أطراف متعارضة في ملفات أخرى. فقد تختلف مواقف الدول في قضية الحدود البحرية، بينما تتقاطع مصالحها أو تتباعد في قضايا أخرى وفقًا لحساباتها الاستراتيجية.

لذلك، فإن الحديث عن أن الاتفاقية تستهدف تحديدًا ضرب مصر أو تركيا، أو أنها جزء من خطة إسرائيلية معلنة لتشكيل محور إقليمي ضد دول بعينها، يظل استنتاجًا يحتاج إلى أدلة موثقة، ولا ينبغي التعامل معه باعتباره حقيقة ثابتة دون مستندات واضحة.

مصر أمام معادلة دقيقة في شرق المتوسط

تكشف التطورات الأخيرة أن ملف الحدود البحرية لم يعد مجرد خلاف قانوني بين دولتين، بل أصبح جزءًا من شبكة أوسع من التنافس على الطاقة والنفوذ والتحالفات الإقليمية.

وتتمثل الأولوية المصرية في حماية الحقوق البحرية المعلنة، ومتابعة التحركات القانونية والدبلوماسية، وتعزيز التعاون مع الدول التي تتقاطع مصالحها مع القاهرة، مع تجنب تحويل الخلافات إلى أحكام مسبقة بشأن نيات الأطراف المختلفة.

وفي النهاية، فإن ما يجري في شرق المتوسط يؤكد أن المصالح الوطنية لا تُحمى بالشعارات وحدها، وإنما بالوثائق القانونية، والدبلوماسية الفاعلة، والتقدير الدقيق لموازين القوى، والقدرة على التمييز بين الوقائع المؤكدة والتحليلات التي ما زالت بحاجة إلى إثبات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى