لافندر والإنجيل وأين أبي والمصنع الناري.. الآلات التي تحكم بالموت

بقلم أشرف عبد الحميد
المقدمة: الحرب لم تعد بشرية
في غزة، لم يعد هناك جندي ينظر في عين عدوه. هناك شاشة كمبيوتر. خوارزمية. ذكاء اصطناعي يقرر في ثوانٍ من يعيش ومن يموت، ثم ترسل طائرة بدون طيار لتقصف بيتاً فيه أطفال نائمون. ولأول مرة في تاريخ البشرية، اعترف جيش نظامي أنه يستخدم الذكاء الاصطناعي للقتل الجماعي، وحول 2.3 مليون إنسان إلى فئران تجارب لأسلحته التي سيبيعها غداً للعالم. ما سأكشفه اليوم ليس تحليلاً، بل وثائق مسربة من داخل الوحدة 8200 وتحقيقات لمجلة 972+ الإسرائيلية وصحيفة الغارديان البريطانية وموقع Local Call.
أولاً: نظام “الإنجيل – The Gospel”.. مصنع الأهداف الذي لا ينام
قبل 7 أكتوبر 2023، كانت فرقة الاستخبارات الإسرائيلية تحتاج إلى 8 أشهر لإنتاج 50 هدفاً دقيقاً في غزة، لأن كل هدف كان يحتاج إلى محامٍ وضابط ومحلل يتأكدون أنه عسكري فعلاً.
بعد 7 أكتوبر، تم تفعيل نظام “الإنجيل”. ما هو؟ هو ذكاء اصطناعي متطور يحلل كل شيء: صور الأقمار الصناعية الأمريكية، فيديوهات الدرونز الإسرائيلية التي تصور غزة 24 ساعة، حتى رسائل واتساب وحركة الهواتف المحمولة. وظيفته الوحيدة: تحويل أي مبنى مدني إلى هدف عسكري محتمل.
النتيجة الرقمية الصادمة: في أول 35 يوم فقط من الحرب، أنتج الإنجيل 15 ألف هدف في غزة. أي بمعدل 100 هدف في اليوم. أكثر مما أنتجته إسرائيل في حرب 2014 كلها التي استمرت 51 يوماً.
كيف؟ النظام يعتبر أن أي بيت فيه شخص يشتبه أنه مقاوم، أو حتى يمر بجانبه، هو هدف مشروع. تحقيق 972+ كشف أن الجيش أعطى الضباط الضوء الأخضر لقصف مبنى سكني كامل من 4 طوابق يسكنه 50 مدنياً، لمجرد أن فيه شريحة هاتف واحدة يشتبه بها. لهذا دمر 70% من مباني غزة. ليس لأنها قواعد عسكرية، بل لأن آلة قررت أنها أهداف.
ثانياً: نظام “لافندر – Lavender”.. القاضي الجلاد الذي يخطئ 10%
هذا هو أخطر نظام عرفته الحروب الحديثة. طورته الوحدة 8200، وهي وحدة النخبة في الاستخبارات الإسرائيلية، ويعمل كقاضٍ يصدر حكم الإعدام.
طريقة عمله مرعبة: يجمع بيانات 2.3 مليون فلسطيني في غزة من كل المصادر: من تكلم مع من في واتساب، من انضم إلى جروب تليجرام، من غير عنوان سكنه، من يصلي في مسجد معين، من له قريب شهيد. ثم يعطي لكل إنسان درجة من 1 إلى 100. إذا حصلت على 50 أو أكثر، فأنت مصنف “عنصر حماس”، حتى لو كنت معلماً أو ممرضاً.
تحقيق الغارديان كشف أن الجيش صنف 37 ألف فلسطيني بهذه الطريقة كأهداف اغتيال.
الكارثة الأكبر: الجيش الإسرائيلي وافق رسمياً على ما يسمى “الأضرار الجانبية” لهذا النظام. الوثائق تقول: يسمح بقتل 15 إلى 20 مدنياً (أطفال ونساء) مقابل اغتيال عنصر صغير صنفه لافندر، ويسمح بقتل أكثر من 100 مدني مقابل قائد واحد.
والأخطر من ذلك: ضابط استخبارات إسرائيلي قال للغارديان بالنص: “كنا نعتمد على لافندر بشكل كامل، لم نكن نتحقق يدوياً. كنا نعرف أن النظام يخطئ بنسبة 10%، لكننا وافقنا على ذلك”.
10% من 37 ألف تعني أن 3700 إنسان بريء حكم عليهم بالإعدام بالخطأ من قبل آلة. وإذا طبقنا 10% على 2.3 مليون، فهذا يعني أن 230 ألف إنسان في غزة مصنفون كأهداف بالخطأ.
ثالثاً: نظام “أين أبي – Where’s Daddy?”.. تتبع العائلة إلى المذبحة
بعد أن يصدر لافندر الحكم، يأتي دور نظام “أين أبي”. مهمته تتبع هاتف الضحية حتى يدخل بيته.
لماذا البيت؟ لأن الجيش اكتشف أن قصف المقاوم وهو في نفق أو موقع عسكري صعب. الأسهل هو انتظاره حتى يدخل بيته ليلاً مع أطفاله وزوجته، ثم قصفه.
النظام يربط هاتف الهدف ببيته، وعندما يرى أن الهاتف دخل البيت، يرسل إشارة حمراء إلى غرفة العمليات: “الهدف الآن في البيت مع عائلته، اقصف”.
لهذا السبب، حسب تقرير الأمم المتحدة الأخير، أكثر من 90% من شهداء غزة من النساء والأطفال، لأن القصف يتم ليلاً وهم نيام في بيوتهم. ليس بالخطأ، بل بسياسة متعمدة اسمها “أين أبي”.
رابعاً: نظام “المصنع الناري – Fire Factory”.. القتل الأوتوماتيكي
هذا نظام جديد كشفت عنه إسرائيل في مارس 2024. هو يربط كل الأنظمة السابقة معاً: الإنجيل يحدد البيت، لافندر يحدد الشخص، أين أبي يحدد التوقيت، ثم “المصنع الناري” يحدد نوع القنبلة والطائرة ويصدر أمر القصف أوتوماتيكياً بدون تدخل بشري تقريباً.
قائد سلاح الجو الإسرائيلي قال: “الذكاء الاصطناعي سمح لنا بقصف غزة بمعدل لم نكن نحلم به”. وهذا صحيح. في حرب 2014 ألقت إسرائيل 5 آلاف قنبلة في 51 يوماً. في حرب غزة الحالية ألقت أكثر من 70 ألف قنبلة في 6 أشهر. أي 14 ضعفاً.
خامساً: لماذا غزة هي المختبر؟ وما علاقة مصر؟
هنا تكمن الصدمة الاقتصادية. إسرائيل لديها أكثر من 120 شركة سلاح، أكبرها “إلبيت سيستمز” و”الصناعات الجوية الإسرائيلية”. هذه الشركات لا تبيع سلاحاً، تبيع جملة واحدة تكتبها على الكتالوج: “Tested in Gaza – مجرب في الميدان – مجرب على البشر”.
الدرونز الانتحارية التي تبيعها للهند لمراقبة كشمير، مجربة في غزة. برنامج التجسس بيغاسوس الذي بيع للمغرب والسعودية والإمارات لمراقبة الصحفيين، مجرب في غزة. القبة الحديدية التي تبيعها لأمريكا وألمانيا، مجربة في غزة.
تقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام قال إن صادرات السلاح الإسرائيلي زادت 50% بعد أكتوبر 2023 ووصلت إلى 13 مليار دولار، لأن كل جيوش العالم تريد أن تشتري “الأنظمة التي أثبتت كفاءتها في غزة”.
كفاءة تعني قدرة على قتل أكثر بوقت أقل وتكلفة أقل.
والخطر على مصر والأردن والسودان واليمن أن هذه الأنظمة ستباع غداً لكل الأنظمة القمعية في المنطقة. اليوم تجرب في غزة، غداً تستخدم لمراقبة وقتل أي شاب يعارض في أي عاصمة عربية. إسرائيل لا تبيع سلاحاً، تبيع نموذج حكم بالذكاء الاصطناعي.
الخلاصة: نحن أمام أول إبادة جماعية رقمية
ما يحدث في غزة ليس حرباً، بل هو أول إبادة جماعية في التاريخ يديرها الذكاء الاصطناعي. الإنسان الفلسطيني تحول إلى رقم، وبيته تحول إلى إحداثيات، وعائلته تحولت إلى “أضرار جانبية مسموح بها”.
من يسمح اليوم لآلة أن تختار من يموت في غزة، سيسمح غداً لآلة أن تختار من يموت في القاهرة ودمشق وصنعاء وطهران وكل مكان.
ولا سلام لأحد ويداه ملطخة بدماء الأطفال التي اختارها الكمبيوتر.



