إسرائيل وحزب الحرية النمساوي.. من القطيعة التاريخية إلى شراكة تفرض نفسها على المشهد الأوروبي

هاله المغاورى فيينا
لم تكن إسرائيل تنظر إلى حزب الحرية النمساوي FPÖ باعتباره شريكًا سياسيًا طبيعيًا. فخلفية الحزب وتاريخه المرتبط بشخصيات ذات صلات بالنازية جعلت العلاقة بين الطرفين لعقود محكومة بالتحفظ والقطيعة السياسية. لكن المشهد تغير تدريجيًا، وفي عام 2026 بدأت تظهر إشارات يصعب تجاهلها إلى أن الطرفين يعيدان رسم حدود العلاقة بينهما.
التحول لم يبدأ بخطوة واحدة، وإنما جاء نتيجة سلسلة من الاتصالات والمواقف السياسية. ففي يناير/كانون الثاني 2026 استقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وفدًا برئاسة هارالد فيليمسكي، أحد أبرز قيادات حزب الحرية في البرلمان الأوروبي، في لقاء حمل دلالة سياسية خاصة بالنظر إلى طبيعة العلاقة السابقة بين إسرائيل والحزب.
ثم جاءت محطة سبتمبر/أيلول لتجعل التقارب أكثر وضوحًا. فقد تحدث رئيس حزب الحرية هربرت كيكل في ستراسبورغ عن مسؤولية النمسا التاريخية عن جرائم النازية والمحرقة، وعن ضرورة حماية الحياة اليهودية، كما طرح تعزيز التعاون مع إسرائيل وحزب الليكود. ولم يمر الخطاب دون رد إسرائيلي؛ إذ رحب وزير الخارجية جدعون ساعر بالموقف، معتبرًا أن مثل هذه المواقف تفتح المجال أمام حوار سياسي أكثر انفتاحًا.
لكن قراءة هذا التحول تحتاج إلى ما هو أبعد من الخطابات. فحزب الحرية يسعى منذ سنوات إلى توسيع علاقاته الدولية وتقديم نفسه كقوة سياسية يمكن التعامل معها خارج الصورة التقليدية التي التصقت به بسبب تاريخه. وفي هذا السياق أصبحت العلاقة مع إسرائيل ذات قيمة سياسية للحزب، خصوصًا عندما يقدم نفسه باعتباره مدافعًا عن أمن اليهود ومكافحة معاداة السامية.
في المقابل، تجد إسرائيل في اليمين الأوروبي مساحة متزايدة للتعاون حول قضايا الأمن والهجرة ومواجهة الإسلام السياسي، وهي ملفات تشكل جزءًا أساسيًا من الخطاب السياسي لحزب الحرية. وهنا تتقاطع المصالح، حتى وإن بقيت الخلافات الأيديولوجية والتاريخية قائمة.
المفارقة أن القضية التي كانت لعقود أحد أكبر أسباب الابتعاد بين الطرفين أصبحت اليوم جزءًا من خطاب التقارب نفسه؛ فحزب الحرية يؤكد مسؤوليته التاريخية تجاه المحرقة وحماية اليهود، بينما تتعامل إسرائيل مع هذه التصريحات باعتبارها أساسًا يمكن البناء عليه سياسيًا.
ومع ذلك، فإن الحديث عن تحالف إسرائيلي ـ نمساوي بين إسرائيل وحزب الحرية لا يزال مبكرًا. ما نشهده حتى الآن هو انتقال من القطيعة إلى الحوار، ومن الرفض المتبادل إلى اختبار إمكانية التعاون. وتزداد أهمية هذا التحول داخل النمسا تحديدًا، لأن مستقبل FPÖ وموقعه في الحياة السياسية النمساوية سيحددان لاحقًا ما إذا كان التقارب مع إسرائيل سيبقى مجرد انفتاح سياسي أم يتحول إلى علاقة أكثر مؤسسية.
وبذلك، فإن قصة إسرائيل وFPÖ لا تتعلق بإسرائيل وحدها ولا بالحزب النمساوي وحده؛ إنها تعكس تحولًا أوسع في السياسة الأوروبية، حيث تعيد الأحزاب والقوى السياسية حساباتها وفق ملفات الأمن والهجرة والشرق الأوسط، بينما تحاول إسرائيل بناء علاقات جديدة مع قوى كانت حتى وقت قريب تقع خارج دائرة شركائها التقليديين.



