أمريكا درع الإبادة.. كيف دمر الفيتو الأمريكي السلام في الشرق الأوسط

بقلم أشرف عبد الحميد
في إطار نشر السلام في العالم، لا يمكن أن نفهم لماذا فشل السلام في الشرق الأوسط دون أن نفهم هذه الجملة السحرية التي ترددها واشنطن منذ 58 سنة كلما ارتكبت إسرائيل مجزرة:
“من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها”.
بهذه الجملة تبرر أمريكا كل شيء: قصف المستشفيات دفاع عن النفس، تجويع مليوني إنسان دفاع عن النفس، احتلال الجولان والضفة دفاع عن النفس، رفع جهاز البيجر المفخخ في الأمم المتحدة دفاع عن النفس.
بهذه الجملة تتمادي إسرائيل لأنها لا تجد من يصدها. فالدرع الأمريكي جاهز دائماً.
أولاً: حق الفيتو.. السلاح الأمريكي لحماية المجازر
تاريخياً استخدمت الولايات المتحدة حق النقض الفيتو 79 مرة منذ تأسيس الأمم المتحدة، منها 50 مرة لحماية إسرائيل وحدها حسب إحصاء صحيفة الصباح اليوم، وفي رواية أخرى 43 مرة من أصل 83 فيتو أمريكي. الخلاف في الرقم سببه طريقة الحساب، لكن الثابت أن أكثر من نصف الفيتو الأمريكي في التاريخ كان لحماية إسرائيل.
متى بدأ؟
أول فيتو أمريكي لصالح إسرائيل كان في 26 يوليو 1973 اعتراضاً على قرار يطالب بانسحاب الاحتلال من الأراضي العربية المحتلة، وبعض المصادر تقول أول فيتو عام 1970 مع بريطانيا حول روديسيا، لكن أول فيتو خالص لإسرائيل كان 1973.
كم مرة في عهد كل رئيس؟
نيكسون وفورد (1970-1976): 7 فيتوات
كارتر (1977-1980): 3 فيتوات
ريجان (1981-1988): 21 فيتو.. الأكثر استخداماً للفيتو لحماية إسرائيل
بوش الأب (1989-1992): 4 فيتوات
كلينتون (1993-2000): 3 فيتوات
بوش الابن (2001-2008): 9 فيتوات
أوباما (2009-2016): استخدم الفيتو مرة واحدة فقط في 2011 ضد إدانة الاستيطان، لكنه امتنع عن التصويت في ديسمبر 2016 على القرار 2334 الذي أدان الاستيطان.. وهو ما اعتبره نتنياهو خيانة
ترامب (2017-2020): فيتو واحد في ديسمبر 2017 لإسقاط قرار مصري يعارض إعلان القدس عاصمة لإسرائيل
بايدن وترامب في حرب غزة: وحدها حرب غزة كشفت العورة. وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو اعترف هذا الشهر أن واشنطن استخدمت الفيتو 6 مرات خلال عامين فقط لحماية إسرائيل من قرارات تدعو لوقف فوري لإطلاق النار في غزة. تقول أمريكا على لسان نائب مندوبتها روبرت وود: “استخدمنا الفيتو لأنه لا يدين حماس ولا يؤكد حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”.
6 فيتوات في عامين من أجل غزة فقط. بينما العالم كله يصوت لوقف المجزرة، أمريكا وحدها تقول: من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها.
ثانياً: كيف دمرت هذه الجملة عملية السلام؟
كلما اقترب السلام، جاء الفيتو الأمريكي ليهدمه:
عندما طالبت الأمم المتحدة بانسحاب إسرائيل من أراضي 1967.. فيتو أمريكي.
عندما أدانت الأمم المتحدة الاستيطان.. فيتو أمريكي.
عندما أدانت ضم القدس.. فيتو أمريكي 2017.
عندما طالبت بوقف الإبادة في غزة.. 6 فيتوات.
النتيجة: إسرائيل فهمت الرسالة. افعلي ما شئت، أمريكا ستحميك. لا سلام دون محاسبة، ولا محاسبة مع فيتو جاهز. ولهذا قال الرئيس الفلسطيني أبو مازن في كلمته أمس: “لم يتم تنفيذ أكثر من ألف قرار دولي بشأن فلسطين”. ألف قرار لم ينفذ لأن أمريكا تحمي من لا ينفذ.
ثالثاً: كيف تستخدم إسرائيل أصوات اليهود في الخارج كسلاح للضغط على رؤساء أمريكا؟
هنا مربط الفرس، وهنا يظهر لماذا أمريكا لا تستطيع أن تقول لا.
1- اللوبي: إيباك AIPAC
أكبر لوبي أجنبي في واشنطن. لا يمول مباشرة لكنه يوجه التبرعات. أكثر من 60% من تبرعات الحزب الديمقراطي تأتي من متبرعين يهود أمريكيين، ونسبة كبيرة من تمويل الجمهوريين أيضاً. أي مرشح ينتقد إسرائيل يُقطع عنه التمويل فوراً وتُدعم منافسه.
2- الولايات المتأرجحة Swing States:
الانتخابات الأمريكية لا تحسم بالأصوات العامة بل بالمجمع الانتخابي. ولايات مثل بنسلفانيا وفلوريدا وميشيغان وويسكونسن ونيويورك فيها كتلة يهودية منظمة تصوت بنسبة تتجاوز 80%. فارق بضعة آلاف من الأصوات في هذه الولايات يعني رئاسة. ترامب وبايدن يعلمان أن خسارة هذه الكتلة تعني خسارة البيت الأبيض.
3- الإعلام والجامعات والمؤسسات:
نتنياهو نفسه قالها في خطابه: قطر تنفق مليارات لتمويل الجامعات الأمريكية. لكن الحقيقة أن اللوبي الصهيوني يسيطر على مجالس إدارات الجامعات الكبرى وشركات الإعلام. أي أستاذ ينتقد إسرائيل يُتهم بمعاداة السامية ويفصل، كما حدث مع عشرات الأساتذة بعد 7 أكتوبر.
4- سلاح معاداة السامية:
أخطر سلاح. كل نقد للاحتلال يتحول فوراً إلى معاداة سامية. عمدة نيويورك زهران ممداني انتقد الإبادة فقال عنه نتنياهو في الأمم المتحدة: “معاد للسامية”. بهذه التهمة يُسكت الكونجرس كله.
السيناتور الأمريكي جيسي هيلمز لخصها منذ 1973: “إسرائيل بمثابة حاملة طائرات أمريكية في الشرق الأوسط”. ليست حليفاً، بل قاعدة متقدمة تحمي مصالح أمريكا النفطية والعسكرية، وفي المقابل أمريكا تحمي مجازرها.
الخلاصة: أين السلام؟
تتحدثون عن السلام وأيديكم ملطخة بالدماء.. أين السلام؟
لا يمكن أن يتحقق السلام بجملة “من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها” كلما قتلت طفلاً. السلام يحتاج إلى كلمة أخرى لم تقلها أمريكا منذ 50 سنة:
“من حق فلسطين أن تعيش”
50 فيتو لحماية إسرائيل تعني 50 مرة قالت فيها أمريكا للعالم: لا سلام. 6 فيتوات في حرب غزة وحدها تعني أن أمريكا شريكة في الإبادة، ليست وسيطاً.
ولهذا انسحبت 77 دولة من قاعة الأمم المتحدة عندما صعد نتنياهو. لأنهم فهموا أن السلام لن يأتي من واشنطن التي تدافع دائماً عن إسرائيل، بل من شعوب العالم التي تقول: كفى.
أمريكا لا تبحث عن السلام.. أمريكا تدير الصراع وتحمي من يمنع السلام.



