مقال

الوكالة الذرية تبحث عالم ما بعد النووي التقليدي

بقلم: هاله المغاوري فيينا
في فيينا، حيث تتقاطع الدبلوماسية الدولية مع أكثر ملفات العالم حساسية، انطلقت اليوم أعمال الدورة السبعين للمؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، بمشاركة ممثلين عن 181 دولة، في حدث يتجاوز كونه اجتماعا دوريا لخبراء ومسؤولين، ليصبح منصة دولية لمناقشة مستقبل الطاقة النووية، وأمن المنشآت، ومنع الانتشار، ودور التكنولوجيا النووية في الصحة والغذاء والمياه والتنمية. وتستمر أعمال المؤتمر في العاصمة النمساوية حتى 18 سبتمبر الجاري.
المشهد الذي تستضيفه فيينا هذا العام يعكس تغيرا عميقا في موقع الطاقة النووية داخل الاقتصاد العالمي. فبعد عقود ارتبط فيها النقاش النووي أساسا بالخوف من الأسلحة والحوادث، تتقدم اليوم أسئلة جديدة تتعلق بأمن الطاقة، وتغير المناخ، وتزايد الطلب على الكهرباء، إلى جانب التوسع الهائل في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي. ولهذا تتوقع الوكالة أن تتجاوز القدرة العالمية للطاقة النووية ثلاثة أضعاف مستواها الحالي بحلول عام 2060، بينما تتجه دول جديدة إلى بناء مفاعلات نووية أو دراسة دخول هذا المجال.
لكن التوسع لا يمكن أن ينفصل عن الأمن. فقد حذر المدير العام للوكالة، رافائيل غروسي، في كلمته الافتتاحية من أن العالم يواجه فجوات متزايدة في المعلومات والرقابة على بعض الأنشطة النووية، مؤكدا أن قدرة الوكالة على التحقق المستقل تمثل عنصرا أساسيا في منع انتشار الأسلحة النووية والحفاظ على الثقة الدولية. وهنا تظهر أهمية فيينا باعتبارها مركزا لا يقتصر دوره على استضافة الاجتماعات، بل يوفر آلية فنية ودبلوماسية يمكن من خلالها التعامل مع الأزمات قبل أن تتحول إلى مخاطر أكبر.
وفي الوقت نفسه، يبرز الأمن النووي في مناطق الصراع باعتباره واحدا من أخطر التحديات الجديدة. فمحطة زابوريجيا النووية في أوكرانيا لا تزال مثالا واضحا على هشاشة المنشآت النووية عندما تصبح محاطة بالحروب. وأشار غروسي إلى تكرار فقدان المحطة لمصادر الكهرباء الخارجية، وهو أمر يجعل تأمين أنظمة التبريد تحديا مستمرا، ويؤكد أن السلامة النووية لم تعد قضية تقنية منفصلة عن الأمن والسياسة الدولية.
واللافت أن جدول أعمال المؤتمر لا يتوقف عند الطاقة والأمن. فالوكالة تدفع باتجاه استخدام التكنولوجيا النووية في علاج السرطان، وتحسين الزراعة وإنتاج الغذاء، وإدارة المياه، ومواجهة بعض الأمراض والتحديات البيئية. ومن المقرر أن يناقش المنتدى العلمي المصاحب للمؤتمر توسيع الوصول إلى رعاية مرضى السرطان، في محاولة لتحويل التكنولوجيا النووية من ملف شديد الحساسية إلى أداة تنموية تمس حياة الملايين بصورة مباشرة.
من هنا تأتي أهمية الدورة السبعين للوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ فهي لا تبحث فقط في كيفية منع الاستخدام العسكري للتكنولوجيا النووية، وإنما في كيفية إدارة عصر نووي جديد يتسع فيه الاستخدام السلمي بسرعة، بينما تتزايد في المقابل المخاطر المرتبطة بالحروب، والأمن السيبراني، وسلاسل الطاقة، وانتشار المعرفة والتقنيات الحساسة.
وفي قلب هذا المشهد تقف فيينا مرة أخرى كعاصمة للدبلوماسية متعددة الأطراف. فكلما ازدادت الانقسامات الدولية، ازدادت الحاجة إلى مؤسسات قادرة على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة، وعلى الفصل قدر الإمكان بين الخلافات السياسية والحقائق العلمية. ورسالة المؤتمر هذا العام تبدو واضحة: مستقبل الطاقة النووية لن تحدده التكنولوجيا وحدها، بل قدرة العالم على بناء الثقة والقواعد والرقابة التي تجعل استخدامها أكثر أمانا ومسؤولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى