طوفان النار والأسعار.. هل يبتلع “بركان” الشرق الأوسط أمن العالم؟

كتبت /منى منصور السيد
لم يعد الشرق الأوسط مجرد بقعة جغرافية تتقاطع عندها خطوط الطول والعرض، بل تحول إلى قلب العالم النابض بالقلق، حيث تختلط دماء الأبرياء ببراميل النفط، وتتشابك خيوط السياسة مع أوتار السلاح والاقتصاد في عقدة تبدو عصية على الحل. إننا نقف اليوم أمام مشهد دراماتيكي مهيب، حيث لم تعد الأزمات مجرد نشرات أخبار عابرة، بل باتت كابوساً يومياً يطرق أبواب البيوت عبر غلاء الأسعار، ويهدد أمن العواصم الكبرى عبر شبح الحرب المفتوحة. وتشير القراءات العميقة التي تتوافق مع ما ترصده كبريات الشبكات العالمية مثل “سي إن إن” والتقارير الدولية، إلى أن هذه البقعة الساخنة من العالم تقف على أطراف أصابعها فوق حافة الهاوية، في انتظار لحظة فارقة إما أن تطفئ النيران المشتعلة، أو تفتح أبواب الجحيم على الاقتصاد العالمي بأسره.
وعلى رقعة الشطرنج السياسية المشتعلة، ترقص الدبلوماسية رقصة الموت على حبل مشدود من انعدام الثقة، وتكابد أطراف إقليمية ودولية لسحب فتيل الانفجار وسط ضغوط لا تحتمل. فجراح قطاع غزة التي لم تندمل بعد، تلقي بظلالها القاتمة على وجدان المنطقة وتفرز تداعيات عابرة للحدود، في حين يتصاعد التنافس المحموم بين الولايات المتحدة وإيران كظل ثقيل يخيم على كل تفصيلة من تفاصيل المشهد. وفي خضم هذه الفوضى، تبرز أدوار حيوية لتركيا ودول الخليج العربي في محاولة جادة لترويض الأزمات وصياغة هندسة جديدة للتهدئة، بينما تلهث القوى الكبرى خلف سراب الحفاظ على أمن الممرات البحرية الاستراتيجية، في سباق مع الزمن لمنع انزلاق هذا الصراع المتشابك إلى أتون حرب إقليمية شاملة تأكل الأخضر واليابس.
ولأن لغة المال هي التي تحكم العالم، فإن شرايين الاقتصاد الدولي تكاد تختنق بفعل هذا الاحتقان، حيث تظل كلمة السر الكبرى هي “أمن الطاقة”. لم تعد القضية مقتصرة على صراع جنرالات في غرف العمليات، بل امتدت لتلمس رغيف الخبز وجيب المواطن البسيط في شتى بقاع الأرض؛ فالأسواق العالمية تقف مذعورة أمام أي طلقة رصاص تُطلق في الشرق الأوسط، لاعتمادها الكلي على شرايين النفط والغاز المتدفقة من الخليج. إن استمرار هذه الحالة الضبابية ينذر بطوفان من التداعيات التي حذر منها خبراء الاقتصاد مراراً؛ بداية من القفزات الجنونية في أسعار النفط والغاز، مروراً بالارتفاع المخيف في تكاليف الشحن والنقل البحري، وصولاً إلى موجات تضخم عالمية قاسية تلتهم مدخرات الشعوب وتضرب معدلات النمو في الأسواق الناشئة في مقتل. وعلى الضفة الأخرى، تئن اقتصادات دول المنطقة تحت وطأة أزمات داخلية خانقة، حيث تتغول وحوش البطالة، وتتزايد الضغوط المالية، لتصبح الحاجة إلى تسريع برامج التنويع الاقتصادي مسألة بقاء لا مجرد رفاهية خطط مستقبلية.
وفي ساحات الوغى، لم تعد لغة المدافع تتحدث بصورتها الكلاسيكية، بل دخلت المنطقة في أتون “سباق الردع المتبادل”، وهو توازن رعب حقيقي تتجنب فيه الأطراف الانزلاق إلى الهاوية الكبرى، لكنها في الوقت ذاته تُبقي أصابعها على الزناد بأسلحة مذخرة وجاهزية عسكرية لم تشهدها المنطقة منذ عقود. إن خريطة الوجع تمتد من أزقة غزة المكلومة إلى قرى الجنوب اللبناني، وتمر عبر أمواج البحر الأحمر ومضيق هرمز، وصولاً إلى مياه شرق المتوسط. هذا الاستعراض الدائم للقوة، والتحشيد العسكري غير المسبوق لحماية الملاحة ومنشآت الطاقة، يؤكد للقاصي والداني أن مفهوم الحرب قد تغير إلى الأبد. لقد انتقلنا من حقبة “الحروب التقليدية” إلى مستنقع “إدارة الأزمات المستمرة”؛ حيث لم يعد الانتصار يقاس باحتلال الأرض، بل بالقدرة على خنق الخصم عبر الضغوط الاقتصادية، وتدمير بناه التحتية بالحروب السيبرانية والعمليات الاستخباراتية الدقيقة، وتوظيف الردع الصاروخي، وشن حروب إعلامية ودبلوماسية طاحنة تخطف العقول قبل الأرواح.
وأمام هذه اللوحة المعقدة التي تتشابك فيها الأرقام المفتوحة بلا حلول نهائية مع سلاسل الإمداد المهددة، تبرز ثلاثة مسارات ترسم ملامح الغد المجهول. أولها يبعث بصيصاً من الأمل عبر تهدئة تدريجية تفلح فيها مساعي الدبلوماسية في خفض حرارة التصعيد وإن بقي التنافس السياسي مستعراً تحت الرماد. أما ثانيها، فهو سيناريو التعايش مع الألم عبر “إدارة الأزمة”, حيث يبقى التوتر سيد الموقف دون أن ينفجر، وتستمر الضغوط الاقتصادية والأمنية في استنزاف مقدرات الشعوب. ليبقى الخوف الأكبر معلقاً بالسيناريو الثالث؛ الانفجار العظيم والتصعيد الشامل الذي لن يكتفي بإحراق المنطقة، بل سيمتد لهيبه ليحرق أمن الطاقة العالمي ويدمر هياكل الاقتصاد الدولي بأكملها.
وفي النهاية، تقف الإنسانية جمعاء أمام حقيقة لا تقبل الجدل؛ إن الشرق الأوسط ليس مجرد ساحة خلفية لتصفية الحسابات الدولية، بل هو مركز الجاذبية الذي يحدد توازن العالم. إن مستقبل الأجيال القادمة، وحركة التجارة، واستقرار الجغرافيا السياسية، كلها أمور باتت مرهونة بمدى حكمة الأطراف الفاعلة وقدرتها على لجم غطرسة القوة العسكرية لصالح لغة الحوار. فالطريق إلى النجاة يتطلب شجاعة تفوق شجاعة خوض المعارك؛ شجاعة الموازنة بين الردع الضروري والدبلوماسية الصادقة، لعل المنطقة تخرج من هذا النفق المظلم نحو بيئة تستحق فيها الشعوب أن تتذوق طعم السلام وثمار التنمية، بدلاً من أن تظل أسيرة لبركان يهدد بابتلاع



