مقال

صاحب أول كتب السنن المعروفة


بقلم / محمـــد الدكـــروري
ذكرت المصادر التاريخية الكثير والكثير عن أهل العلم والعلماء وأئمة المسلمين ومن بينهم الإمام أبو داود، وقيل أنه كان لأبى داود منزله عظيمه عند الأمراء، فقد قال أبو بكر بن جابر خادم أبي داود رحمه الله، كنت مع أبي داود ببغداد، فصلينا المغرب، فجاءه الأمير أبو أحمد الموفق أى ولي العهد فدخل، ثم أقبل عليه أبو داود، فقال ما جاء بالأمير في مثل هذا الوقت؟ قال خلال ثلاث، قال وما هي؟ قال تنتقل إلى البصرة فتتخذها وطنا، ليرحل إليك طلبة العلم، فتعمر بك، فإنها قد خربت، وانقطع عنها الناس، لما جرى عليها من محنة الزنج، فقال هذه واحدة، قال وتروي لأولادي أى السنن، قال نعم، هات الثالثة، قال وتفرد لهم مجلسا، فإن أولاد الخلفاء لا يقعدون مع العامة، قال أما هذه فلا سبيل إليها.

لأن الناس، شريفهم ووضيعهم، في العلم سواء، وقال ابن جابر فكانوا يحضرون ويقعدون في مكان قريب، عليه ستر، ويسمعون مع العامة، وإن الذي ذاع صيت أبي داود وزاده شهرة هو كتابه العظيم المعروف بسنن أبي داود، وهو كتاب يأتي في المرتبة بعد صحيح البخاري وصحيح مسلم في الشهرة والمكانة، وقد عُد أول كتب السنن المعروفة، وهي سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وقد بلغت أحاديث هذا الكتاب ثماني مائة وأربعة آلاف حديث، صنفه وانتقاه من أصل خمسمائة ألف حديث، ولذا يُعد الكتاب من مظان الحديث الحسن، وقد رتب أبو داود كتابه على كتب وأبواب، فشمل خمسة وثلاثين كتابا، وواحدا وسبعين وثماني مائة وألف باب، ولقد جاء سهل بن عبدالله التستري.

إلى أبي داود السجستاني، فقيل يا أبا داود، هذا سهل بن عبدالله، جاءك زائرا، فرحب به، وأجلسه، فقال سهل يا أبا داود، لي إليك حاجة، قال وما هي؟ قال حتى تقول قد قضيتها مع الإمكان، قال نعم، قال أخرج إلي لسانك الذي تحدّث به أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقبّله، فأخرج إليه لسانه فقبّله، وفي السنن لم يقتصر أبو داود على الصحيح، بل خرج فيه الصحيح والحسن والضعيف، وقد وضح منهجه فيه فقال ذكرت في كتابي الصحيح وما يشبهه وما يقاربه، وقال وما كان فيه وهن شديد بيَّنته، وما لم أذكر فيه شيئا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض، وقد جمع أبو داود كتابه هذا قديما، وحين فرغ منه عرضه على الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى فاستجاده واستحسنهز

والفقهاء لا يتحاشون من إطلاق لفظ الصحاح، عليها وعلى سنن الترمذي، لا سيما سنن أبي داود، وقال أبو داود رحمه الله كتبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب يعني كتاب السنن، وجمعت فيه أربعة آلاف وثماني مائة حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث، أحدها قوله صلى الله عليه وسلم ” الأعمال بالنيات” والثاني قوله صلى الله عليه وسلم ” من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ” والثالث قوله صلى الله عليه وسلم ” لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه ” والرابع قوله صلى الله عليه وسلم ” الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبين ذلك أمور مشتبهات “

وكان أبو داود متمسكا بسنة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، حريصا كل الحرص على تطبيقها، وبيان أهميتها للناس ليقوموا بأدائها، وكان لأبي داود منهج أشبه بمنهج الصحابة في اتباع السنة النبوية والتسليم بها، وترك الجدل في الأمور التي تشعل نار الفتنة بين المسلمين، وقد ترك له ابنا يشبهه في كثير من صفاته وهو الحافظ ابو بكر عبد الله بن أبي داود الذي كان تلميذا نجيبا لوالده، وشارك أباه في التتلمذ على شيوخه بمصر والشام، وسمع الحديث عن كبار العلماء ببغداد وخراسان وأصبهان وسجستان وشيراز، فصار عالما فقيها، وألف كتاب المصابيح، وقيل عن أبى داود ، ألين لأبى داود الحديث كما ألين لداود الحديد، وكان في الدرجة العليا من النسك والصلاح.

وكان أبو داود يقول الشهوة الخفية هى حب الرياسة، وقد توفي الإمام أبو داود بالبصرة يوم الجمعة، السادس عشر من شهر شوال، سنة خمس وسبعين ومائتين، عن ثلاث وسبعين سنة، ودُفن إلى جانب قبر سفيان الثوري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى