مقال

حين باعت القرية ظلها


بقلم : عماد نويجى
لم يكن أحد في قرية الجبل يتذكر متى بدأت الحكاية لكن الجميع كانوا يعرفون أن لكل إنسان ظلا يشيخ قبله بعامين وأن الظل إذا اختفى تبعه صاحبه بعده بقليل لذلك كانوا يحيون ظلالهم كل صباح كما يحيون بعضهم
كان سليم نجارا بسيطا يعيش مع أمه العجوز في بيت يطل على حقل قمح لا ينتهي وكانت أمه تردد دائما لا تخن ظلك فإنه آخر من يودعك
وفي صباح خريفي جاء إلى القرية رجل يرتدي معطفا أبيض ويحمل حقيبة سوداء وقال إن المدينة اكتشفت طريقة لاستخراج الظلال وتحويلها إلى طاقة تنير البيوت وتشغل المصانع وإن كل من يبيع ظله سيحصل على ثروة تكفيه بقية عمره
ضحك البعض ثم باع أول رجل ظله
ولم يحدث شيء
ظل يمشي ويأكل ويضحك كعادت
فاطمأن الناس
وخلال شهر واحد أصبحت شوارع القرية بلا ظلال
الأطفال يركضون تحت الشمس ولا شيء يتبعهم
العجائز يجلسون أمام البيوت وكأن الضوء نسيهم
حتى الأشجار بدت وكأنها معلقة في الهواء
امتلأت البيوت بالأثاث الجديد والسيارات اللامعة لكن الليل صار أطول من المعتاد
كانت الساعات تتوقف كل يوم عند منتصف الليل لدقيقة كاملة
وخلال تلك الدقيقة كان الجميع يسمعون همسات لا يفهمونها
إلا سليم
كان يسمع الهمسات بوضوح
كانت أصوات الظلال تقول نحن لم نمت نحن ننتظر
حاول أن يخبر أهل القرية فضحكوا منه وقالوا إن الفقر هو الذي يصنع الأوهام
وبعد أشهر بدأت الوجوه تتغير
لم يعد أحد يبكي في جنازة
ولم يعد أحد يفرح بولادة طفل
اختفت الدموع والدهشة والخوف والحنين
بقيت الحياة كما هي لكن بلا روح
سأل سليم أمه ماذا يحدث
ابتسمت بحزن وقالت الإنسان لا يعيش بقلبه وحده بل يعيش بما يلقيه ظله خلفه
وفي ليلة مقمرة خرج سليم إلى أطراف القرية حيث المصنع الذي خزنت فيه الظلال
كانت المباني تلمع كأنها مصنوعة من الجليد
وحين اقترب سمع آلاف الأصوات تنادي اسمه
فتح الباب
فوجد قاعة هائلة تتدلى فيها الظلال مثل ثمار سوداء تنبض ببطء
وحين لمس ظل أمه عاد إليها صوت ضحكتها القديمة
ولما لمس ظل طفل عاد إلى السماء سرب عصافير اختفى منذ سنوات
أدرك أن الظلال لم تكن مجرد بقع سوداء على الأرض
كانت تحفظ كل ما يفقده الإنسان من براءة وألم وذكرى وحب
أشعل النار في الأجهزة
وانطلقت الظلال إلى السماء مثل أسراب طيور عائدة إلى أعشاشها
وفي الصباح استيقظ أهل القرية ليجد كل واحد ظله ينتظره أمام الباب
بكى الرجال لأول مرة منذ شهور
وضم الأطفال أمهاتهم بلا سبب
وعادت الأشجار ترقص مع الريح
أما سليم فلم يجده أحد
قال بعضهم إنه احترق داخل المصنع
وقال آخرون إنه رحل مع الظلال
لكن العجائز كن يؤكدن أنهن كلما غربت الشمس رأين ظلا إضافيا يمشي بين ظلال الناس
ظلا لا يخص أحدا
إلا ذلك الرجل الذي أعاد للأرواح ما كانت تظنه مجرد بقعة سوداء على الأرض

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى