مقال

منجنيق الشرق والغرب

بقلم / محمـــد الدكـــروري

جاء الكثير عن علماء وفقهاء الأندلس والذي كان من بينهم الإمام إبن حزم الأندلسي، وهو الذي كان الإمام ابن القيم شديد التتبع لآثاره، وكتبه وكان يصفه بمنجنيق العرب أو بمنجنيق الغرب وكانت الناس تضرب المثل في لسان ابن حزم، فقيل عنه سيف الحجاج ولسان ابن حزم شقيقان، فلقد كان ابن حزم يبسط لسانه في علماء الأمة وخاصة خلال مناظراته مع المالكية في الأندلس، وهذه الحدة أورثت نفورا في قلوب كثير من العلماء عن ابن حزم وعلمه ومؤلفاته، وكثر أعداؤه في الأندلس، وأيضا تعرضه لفقهاء عصره الجاحدين المنتفعين من مناصبهم، مكن هؤلاء أن يؤلبوا عليه المعتضد بن عباد أمير اشبيلية، فاصدر قرارا بهدم دوره ومصادرة أمواله وحرق كتبه، وفرض عليه ألا يغادر بلدة أجداده منت ليشم من ناحية لبلة، وألا يفتي أحد بمذهب مالك أو غيره، كما توعد من يدخل إليه بالعقوبة، وهناك توفي سنة ألف وأربعة وستين ميلادي.

ولما فعلوا ذلك بكتبه تألم كثيرا فقال وقد حُرقت مؤلفاته، إن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي تضمنه القرطاس بل هو في صدري يقيم معي حيث استقلت ركائبي، وينزل إن أنزل ويدفن في قبري، دعوني من إحراق رق وكاغد، وقولوا بعلم كي يرى الناس من يدري، وإلا فعدوا بالكتاتيب بدءة، فكم دون ما تبغون لله من ستر، كذاك النصارى يحرقون إذا علت، أكفهم القرآن في مدن الثغر، ومن أقوال العلماء فيه أنه قال عنه الشيخ الحميدي ابن حزم الأندلسي كان حافظا عالما بعلوم الحديث وفقهه مستنبطا للأحكام، من الكتاب والسنة، متفننا في علوم جمة، عاملا، بعلمه زاهدا في الدنيا بعد الرئاسة التي كانت له ولأبيه من قبله في الوزارة وتدبير الممالك، متواضعا ذا فضائل جمة وتواليف، كثيرة في كل ما تحقق به من العلوم، وجمع من الكتب في علم الحديث والمصنفات والمسندات شيئا كثيرا وسمع سماعا جما، وأول سماعه، من أبى عمر أحمد بن محمد بن الجسور، قبل الأربعمائة.

وألف في فقه الحديث كتابا كبيرا سماه كتاب الإيصال إلى فهم الخصال الجامعة، لجمل شرائع الإسلام في الواجب والحلال والحرام وسائر الأحكام على ما أوجبه القرآن والسنة والإجماع، أورد فيه أقوال، الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين في مسائل الفقه والحجة لكل طائفة عليها والأحاديث الواردة في ذلك من الصحيح، والسقم بالأسانيد.

وبيان ذلك كله وتحقيق القول فيه، وله كتاب الإحكام في أصول الأحكام في غاية التقصى وإيراد الحجاج، وكتاب الفصل في الملل والأهواء والنحل، وكتاب في الإجماع ومسائل على أبواب الفقه، وكتاب في مراتب العلوم وكيفية طلبها وتعلق بعضها ببعض، وكتاب إظهار تبديل اليهود والنصارى للتوراة والإنجيل، وبيان تناقض ما بأيديهم من ذلك مما لا يحتمل التأويل، وهذا مما سبق إليه، وكذلك كتاب التقريب لحد المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية، فإنه سلك في بيانه وإزالة سوء الظن عنه وتكذيب المخرقين به طريقة لم يسلكها أحد قبله في ما علمنا، وما رأينا مثله في ما اجتمع له من الذكاء وسرعة الحفظ وكرم النفس والتدين، مولده في ليلة الفطر سنة أربع وثمانين وثلاثمائة بقرطبة، ومات بعد الخمسين وأربعمائة.

ahmdabwyhyy224@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *