بقلم / محمـــد الدكـــروري
إعلموا يا عباد الله أن يوم عرفة من الأيام الفاضلة والعظيمة، لأنه يوم مغفرة الذنوب والتجاوز عنها، وهو يوم عيد لأهل الموقف ويستحب صيامه لأهل الأمصار، وهو يوم إكمال الدين وإتمام النعمة على هذه الأمة، فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولهذا جعله الله تعالى خاتمة الأديان، لا يقبل من أحد دينا سواه، وعن السيدة عائشة رضي الله عنها أن رسول الله قال “ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي الملائكة فيقول ما أراد هؤلاء” رواه مسلم، وقال ابن عبد البر وهذا يدل على أنهم مغفور لهم لأنه لا يباهي بأهل الخطايا إلا بعد التوبة والغفران والله أعلم، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله “إن الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء، فيقول لهم انظروا إلى عبادي جاءوني شعثا غبرا” رواه أحمد، فهذه الأحاديث تدل على فضل يوم عرفة وأنه من الأيام الفاضلة التي تجاب فيها الدعوات وتقال العثرات.
فعلى المسلم أن يحرص على العمل الصالح، لا سيما في هذا اليوم العظيم من ذكر ودعاء وقراءة وصلاة وصدقة، لعله أن يحظى من الله تعالى بالمغفرة والعتق من النار، فقد ذكر ابن رجب رحمه الله في اللطائف أن العتق من النار عام لجميع المسلمين، وعلى المسلم أن يحرص على صيام يوم عرفة، فقد خصه النبي صلى الله عليه وسلم بمزيد عناية، حيث خصه من بين أيام العشر، وبيّن ما رُتب على صيامه من الفضل العظيم، فقد ورد عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله سُئل عن صوم يوم عرفة فقال “يكفر السنة الماضية والسنة القابلة” رواه مسلم، وهذا إنما يستحب لغير الحاج، وأما الحاج فلا يسن له صيام هذا اليوم، وفطره أفضل تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد وقف بعرفة مفطرا، فعن أم الفضل بنت الحارث رضي الله عنها أن ناسا اختلفوا عندها يوم عرفة في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم هو صائم.
وقال بعضهم ليس بصائم، فأرسلت إليه بقدح من لبن وهو واقف على بعيره بعرفة فشربه” رواه البخاري ومسلم، ولأن المفطر أقوى على الدعاء من الصائم لا سيما في شدة الحر، وللدعاء يوم عرفة مزية على غيره، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال “خير الدعاءِ دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي ” لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير” رواه مالك والترمذى، وقال ابن عبد البر وفيه من الفقه أن دعاء يوم عرفة أفضل من غيره، وفي ذلك دليل على فضل يوم عرفة على غيره، وفي الحديث أيضا دليل على أن دعاء يوم عرفة مجاب في الأغلب، وفيه أيضا أن أفضل الذكر لا إله إلا الله، فإعلم أن لهذه الأيام المباركة فضائل ليست لغيرها من سائر الأيام حيث فضلها رب الأنام ونبينا الهمام صلى الله عليه وسلم وهاك بيانها من محكم القران ومن سنة النبي العدنان صلى الله عليه وسلم.
ومن فضائل تلك الأيام الفاضلة أن الله تعالى أقسم بها وإذا أقسم الله بشيء دل هذا على عظم مكانته وفضله، إذ العظيم لا يقسم إلا بالعظيم، والليالي العشر هي عشر ذي الحجة، وهذا ما عليه جمهور المفسرين والخلف، وقال ابن كثير في تفسيره وهو الصحيح، وعن جابر بن عبد الله رضى الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال “إن العشر عشر الأضحى، والوتر يوم عرفة، والشفع يوم النحر” رواه النسائى، أنها الأيام المعلومات التي شرع فيها ذكره، وأن هذه الأيام أيام ذكر وتسبيح وتهليل وجمهور العلماء على أن الأيام المعلومات هي عشر ذي الحجة منهم ابن عمر وابن عباس رضى الله عنهما، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد لها بأنها أفضل أيام الدنيا، ولقد كشف لنا النبي صلى الله عليه وسلم الغطاء عن فضائل تلك الأيام فأخبرنا سيد الأنام صلى الله عليه وسلم بأنها أفضل أيام الدنيا وأن العمل فيها أفضل من غيرها، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام يعني أيام العشر، قالوا يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء” رواه البخارى، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال “كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فذكرت له الأعمال فقال ما من أيام العمل فيهن أفضل من هذه العشر، قالوا يا رسول الله، الجهاد في سبيل الله؟ فأكبره، فقال ولا الجهاد إلا أن يخرج رجل بنفسه وماله في سبيل الله، ثم تكون مهجة نفسه فيه” رواه أحمد.

