موضوع البحث عن السعاده
بقلم/ محمـــد الدكـــروري
ذكرت المصادر الإسلامية الكثير عن الحب في الله، والأخوة في الله، وروى عن حيوة بن شريح التجيبي الفقيه المحدث، الزاهد، وهو من رواة الحديث الثقات، كان يأخذ عطاءه في السنة ستين دينارا، فلا يفارق ذلك المكان الذي أخذ فيه العطاء حتى يتصدق بها جميعا، فكان إذا جاء إلى منزله وجد الستين دينارا، تحت فراشة، فبلغ ذلك ابن عم له، فتصدق لعطائه جميعا أراد أن يفعل مثل حيوة، وجاء إلى تحت فراشه فلم يجد شيئا، فذهب إلى حيوة وقال أنا تصدقت بكل عطائي، ولم أجد تحت فراشي شيئا فقال له حيوة أنا أعطيت ربي يقينا، وأنت أعطيته تجربة يعنى أنت كنت تريد أن تجرب، وتختبر ربك، فتصدقت، لتنظر النتيجة، وأما أنا فأتصدق وأنا راسخ اليقين بما عند الله عز وجل من الجزاء والعوض، وقال سرّي السقطي، وكان أوحد زمانه في الورع وعلوم التوحيد.
منذ ثلاثين سنة وأنا في الإستغفار من قولي مرة الحمد لله، قيل له وكيف ذلك ؟ قال وقع ببغداد حريق، فاستقبلني واحد وقال نجا حانوتك فقلت الحمد لله فأنا نادم من ذلك الوقت حيث أردت لنفسي خيرا من دون الناس، فاتقوا الله عباد الله، ما خاب عبد جعل مطيته في هذه الدنيا إلى ربه تقواه، جعلني الله وإياكم ممن عمّر بالتقوى قلوبهم، وهذبت جوارحهم، إن ربي رحيم ودود، إن موضوع البحث عن السعاده يشغل كثيرا من الناس، فكل الناس يبحثون عنها، وكل الناس يسعون لتحقيق هذا الغرض، ولو أمكن أحدهم شراؤه بالأموال لفعلوا، وإن كل إنسان يسعى إلى تحقيق السعادة ولكن كثير منهم يخطئ طريقها، بل إن القلة القليلة هي التي تسلك سبيل السعادة الحقيقية، فإن بعض الناس يظنون أن السعادة في تكديس المال وجمع الثروات وبناء العقارات والقصور، وإن كثيرا من الناس يتوهم أن هذه هي السعادة.
كثير من الناس يتوهم أن فلانا سعيد لأنه يملك الأرصدة في البنوك أو أن فلانا سعيد لأنه يملك كذا وكذا من الأموال، ولكن هل هذه هي السعادة؟ فإن الله سبحانه وتعالى برحمته الواسعة كما يحيي الأرض بعد مواتها، فتنبض بالحياة، وتربو بالنبت والحيا، وتخرج الزروع والثمار، فكذلك القلوب حين يشاء الله تعالى، ومن ثم فلا يأس من روح الله ورحمته، ولا نفقد الأمل في قلب خبا إيمانه، وخمد، وطال عليه الأمد حتى قسا وتبلد، فما أقرب أن تدب فيه الحياة مرة أخرى، وأن يشرق فيه النور ويخشع لذكر الله ويلين، وأن يشع فيه نور الإيمان من جديد، فبذكر الله تدفع الآفات، وتكشف الكربات، وتهون المصيبات، وإن ذكر الله عز وجل هو جلاء القلوب وصفاؤها ودواؤها إذا مرضت، وكلما ازداد الذاكر في ذكره ازداد محبة إلى لقاء ربه، وإذا واطئ في ذكره قلبه للسانه نسي في جنب ذكره كل شيء.
وحفظ الله عليه كل شيء، وكان له عوضا من كل شيء، به يزول الوقر عن الأسماع، والبكم عن الألسنة، وبه تنقشع الظلمة عن الأبصار، فالذكر هو باب الله الأعظم المفتوح بينه وبين عبده ما لم يغلقه العبد بغفلته، وقد قال الحسن البصري رحمه الله “تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء في الصلاة، وفي الذكر، وقراءة القرآن، فإن وجدتم وإلا فاعلموا أن الباب مغلق” واعلم أن حياة قلبك أولى بالاهتمام من حياة جسدك، ذلك لأن حياة القلب تؤهلك، لئن تعيش حياة طيبة، طاهرة في الدنيا، وسعادة أبدية في الآخرة، بينما حياة الجسد حياة مؤقتة، سرعان ما تزول وتنقضي، ولا سبيل لعلاج حياة القلب وزيادة الإيمان فيه إلا بالطاعات، فهي كلها لازمة لحياة القلب كما يلزم الطعام والشراب لحياة الجسد، ومن أعظم ما يحتاجه قلب العبد من الأغذية النافعة، هو ذكر الله عز وجل، فالذكر هو المنزلة الكبرى التي يتزود منها العارفون.
وفيها يتاجرون، وإليها دائما يترددون، وهو قوت قلوبهم الذي متى فارقها صارت الأجساد لها قبورا، وهو عمارة ديارهم التي إذا تعطلت عنه صارت بورا، وهو سلاحهم الذي يقاتلون به قطاع الطريق، وهو دواء أسقامهم الذي متى فارقهم انتكست منهم القلوب، وهو السبب الواصل والعلاقة التي كانت بينهم وبين علام الغيوب.


