مقال

من نفحات الجمعة:

من نفحات الجمعة:
زاد للمسلم ودعم للخطيب
بقلم: د. كامل عبد القوي النحاس
خطبة الجمعة: 30 يناير 2026م

​الأمن.. ضرورة وجود وضريبة بقاء

​العنصر الأول: الأمن.. الضرورة الكبرى والمطلب الأول

​الحمد لله الذي جعل الأمن قوام الحياة، وأشهد أن لا إله إلا الله جعل البيت الحرام مثابة للناس وأمناً.

إن الأمن يا عباد الله هو النعمة التي تسبق كل نعمة، والقاعدة التي لا يقوم بدونها دينٌ ولا تستقيم معها دنيا،

فالله عز وجل حين أراد أن يمتن على عباده ببيته الحرام،
لم يذكر سعة الرزق إلا مقرونة بالأمن،
فقال سبحانه:

“فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ”.

ومن هنا ندرك لماذا قدم الخليل إبراهيم عليه السلام مطلب الأمن على طلب الطعام حين دعا ربه فقال:

“رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ”.

فالأمن هو “بيئة الحياة”؛ إذ لا يهنأ طعام مع خوف، ولا يخشع مصلٍ والاضطراب يحيط به.

​العنصر الثاني: واقع العرب قبل الإسلام.. من شتات الخوف إلى ظلال السكينة

​لقد كان العرب قبل بعثة النبي ﷺ يعيشون في “تيهٍ أمني” مريع، تُسفك فيه الدماء لأتفه الأسباب، ويخاف فيه القوي من الغدر قبل الضعيف،
حتى ذكرهم الله بحالهم تلك وكيف بدلهم بها أمناً في قوله:

“وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ”.

لقد أحدث الإسلام ثورة في النفوس فجمعها بعد فرقة، وألف بين القلوب بعد عداوة، مصداقاً لقوله تعالى:

“وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا”.

فبالإسلام وحده انتقل الإنسان من حالة “الذئب” الذي ينهب جاره، إلى حالة “الأخ” الذي يأمنه الناس على دمائهم وأموالهم.

​العنصر الثالث: فقه القوة.. سباق التسلح ووحدة الأمة كدرع وحماية

​نحن نعيش اليوم في عالم يموج بالفتن، لا مكان فيه للضعفاء، ولا احترام فيه لمن لا يملك أنياباً تحمي سكينته.

إن امتلاك “القوة الضاربة” في ميزان الشرع هو “فعل وقائي” يمنع وقوع العدوان أصلاً، ولذلك أمرنا الحق سبحانه بالإعداد الذي يرهب الأطماع ويصون الحقوق فقال:

“وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ”.

إن سباق التسلح العالمي يفرض علينا أن نكون يداً واحدة، نمتلك ناصية العلم والسلاح، لنحمي أمننا الذي هو أمانة الله في أعناقنا،

فالحق الذي لا تسنده القوة يضيع، والأمة التي تفرط في رباط خيلها تُستباح.

​العنصر الرابع: دروس من الرماد.. دول تلاشت حين انفرط عقد أمنها

​إن الواعظ الحق هو من اتعظ بغيره، وانظروا حولكم كيف تلاشت دول وصارت أطلالاً حينما استهانت بنعمة الاستقرار،

فحل بها وعيد الله الذي ذكره في كتابه فقال:

“وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ”.

إن الفتنة إذا دخلت الجبهة الداخلية أحرقتها، والفرقة إذا دبت في الأمة مزقتها،

وما نراه اليوم من شتات لشعوب كانت عزيزة هو إنذار لكل لبيب بأن الحفاظ على أمن الدولة وصيانة مؤسساتها هو فريضة الوقت وضرورة البقاء.

​العنصر الخامس: مصر الكنانة.. ملحمة الصمود وواجب الحراسة والتعظيم

​لقد شاء الله لمصر أن تكون صمام أمان العروبة والإسلام،
وارتبط ذكرها في القرآن بالأمن المطلق منذ فجر التاريخ، حين قال سبحانه على لسان يوسف عليه السلام:

“ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ”.

إن ما حققته مصر من استعادة لأركانها وبناء لقوتها هو “ملحمة صمود” تستوجب منا الوعي والحراسة.
إن واجبنا اليوم هو الالتفاف حول جيشنا الذي وصفه النبي ﷺ

بـ “خير أجناد الأرض”،

والحفاظ على استقرارنا بالعمل والإخلاص، والوقوف سداً منيعاً ضد كل من يحاول العبث بأمننا،
فمصر القوية هي قوة لكل مسلم، وأمنها هو حجر الزاوية في مستقبل الأمة بأسرها.

​خاتمة

​عباد الله، إن الأمن أمانة في أعناقنا جميعاً، والفتنة نائمة لعن الله من أيقظها. اعلموا أن يد الله مع الجماعة، وأن حفظ الأوطان من صميم الإيمان. فاجعلوا من وحدتكم سداً منيعاً، ومن وعيكم سلاحاً باتراً، ومن إيمانكم بالله يقيناً بأن نصر الله مع الصبر، وأن مع العسر يسراً.

إن ما وصلت إليه بلادنا من تثبيت للأركان هو نعمة تستوجب الشكر بالعمل، والحفاظ عليها بالعزم، والذود عنها بالروح.

فاعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا،
وكونوا عباد الله إخواناً.

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *