
القرن الأفريقى على صفيح ساخن ومصر تتحرك لحماية أمنها القومى من المنبع
كتب/ أيمن محمد على
تشهد منطقة القرن الأفريقى تصعيداً متسارعاً ينقل الصراعات من الغرف المغلقة إلى العلن فى تحول يعكس حجم التنافس الدولى والإقليمى على واحدة من أخطر النقاط الاستراتيجية فى العالم. وفى خضم هذا المشهد المشتعل برز التحرك المصرى كعامل توازن حاسم يعكس نهجاً ثابتاً فى التعامل مع مصادر التهديد قبل اقترابها من الحدود المباشرة.
تحرك استراتيجي يتجاوز البروتوكول
الوجود العسكرى المصرى فى الصومال لا يمكن اختزاله فى إطار الدعم المعنوى أو المجاملات الدبلوماسية. فإرسال طائرات نقل عسكرية من طراز C-130 إلى جانب وحدات من القوات الخاصة ومعدات عسكرية ثقيلة يؤشر إلى تفعيل عملي لاتفاقيات الدفاع المشترك، ويؤكد أن القاهرة عازمة على لعب دور محوري في تشكيل ملامح القوة الأفريقية الجديدة.
وتشير تقديرات إلى استعداد مصر لنشر قوة قوامها نحو عشرة آلاف جندى تتوزع بين مهام تدريبية وعملياتية، ما يجعلها القوة الأكثر تأثيراً على الأرض. ويأتى هذا التحرك في إطار دعم وحدة الدولة الصومالية وتأمين ما يمكن وصفه بالبوابة الجنوبية لقناة السويس، أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمى.
محاولة تغيير الخرائط والرد المصرى الحاسم
محاولة إثيوبيا الحصول على منفذ بحرى عبر اتفاق غير معترف به مع إقليم أرض الصومال مثّلت تجاوزاً صريحاً للقانون الدولى وتهديداً مباشراً لتوازنات البحر الأحمر. هذا التحرك لم يكن موجهاً ضد الصومال وحدها، بل حمل أبعاداً أوسع تستهدف خنق الممرات البحرية الحيوية وتقليص النفوذ المصري فى المنطقة.
الرد المصرى جاء واضحاً وحاسماً، عبر تعزيز الوجود العسكرى البرى والجوى والبحرى فى رسالة مفادها أن أى محاولة لفرض واقع جديد بالقوة ستُواجَه بردع مباشر، يمنع العبث بالجغرافيا السياسية للمنطقة.
تشابك المصالح ودخول أطراف جديدة على خط الأزمة التصعيد فتح الباب أمام اصطفافات غير تقليدية حيث باتت بعض القوى، وعلى رأسها جماعة الحوثى فى اليمن، تنظر بقلق إلى احتمالات إقامة قواعد عسكرية إثيوبية مدعومة دولياً على الضفة المقابلة. هذا الواقع يخلق مصالح مشتركة بين أطراف متباعدة أيديولوجياً، لكنها متفقة على رفض تحويل السواحل الصومالية إلى قواعد تخدم أجندات تهدد التوازن الإقليمي.
لماذا تظل مصر الهدف الأساسي؟
السبب الرئيسى هو موقع مصر كركيزة استقرار إقليمي. أي تفكك في الصومال أو تهديد للملاحة في باب المندب ينعكس مباشرة على قناة السويس والاقتصاد المصري. غير أن القيادة المصرية قرأت هذا المشهد مبكراً، وعملت على الاستعداد له عبر سياسات طويلة المدى.تنويع مصادر التسليح منح القوات المسلحة المصرية قدرة عالية على العمل فى بيئات مختلفة وعلى مسافات بعيدة عن الحدود، بينما أسهمت القواعد العسكرية الكبرى مثل قاعدة برنيس فى تعزيز القدرات اللوجستية اللازمة للتحرك السريع والحاسم.خلاصة المشهد
مصر لا تسعى إلى إشعال الحروب لكنها تدرك أن فرض السلام أحياناً يتطلب إظهار القوة والقدرة على الردع. الوجود المصري فى الصومال ليس مجرد تحرك عسكرى بل رسالة استراتيجية تؤكد أن الأمن القومي المصري لا يُقاس بالحدود الجغرافية فقط بل بكل نقطة يمكن أن تتحول إلى مصدر تهديد مباشر لمصالح الدولة واستقرارها.
فى معركة تتداخل فيها حسابات العقول مع تحركات الجيوش تثبت القاهرة أنها ما زالت تسبق الآخرين بخطوة، وتحتفظ بالنَّفَس الأطول في إدارة صراعات الإقليم.

