
بقلم / د/ عُـلا عبـد الهـادي
أخصـائـي علـم النفـس التـربـوي والإكلينيكـي
في زمنٍ باتت فيه السرعة عنوانًا لكل شيء، تاهت الطمأنينة بين تفاصيل الحياة اليومية، وغابت المساحات الهادئة التي كانت تمنح الإنسان توازنه النفسي. صار الإنسان يعيش سباقًا لا يعرف له خط نهاية؛ يسعى فيه إلى الكمال، يلهث خلف النجاح، ويتناسى أن النفس كالجسد، تُرهق وتحتاج إلى عناية.
ومع ازدياد هذا الضغط الجمعي، بدأت الاضطرابات النفسية تزحف في صمت، تُنهك الأرواح قبل الأجساد، وتحوّل الحياة إلى معركة خفية بين الداخل والخارج.
وتُعدُّ الصحة النفسية حجر الأساس للحياة الإنسانية؛ فالصحة النفسية لا تعني فقط غياب المرض، بل هي حالة من الاتزان الداخلي تمنح الفرد القدرة على التعامل مع ضغوط الحياة، ومواجهة التحديات دون أن يفقد ذاته تجعلنا نستيقظ كل صباح برغبة في العيش، ونعيد بناء أنفسنا بعد الخسارات، ونحلم رغم الألم.
لكن هذا التوازن أصبح اليوم مهددًا أمام عالمٍ يتغير أسرع من قدرتنا على التكيف معه، حيث تؤكد منظمة الصحة العالمية أن واحدًا من كل ثمانية أشخاص حول العالم يعاني من اضطراب نفسي، سواء كان قلقًا، أو اكتئابًا، أو اضطرابًا في الشخصية، وهي نسبة تكشف أن الأزمة لم تعد فردية، بل ظاهرة مجتمعية عالمية.
والجدير بالذكر أن جذور الاضطراب… حين تهاجم النفس تهاجمها بصمت، إذ تبدأ المعاناة النفسية غالبًا من جذور غير مرئية. قد تكون. طفولة قاسية مليئة بالتوبيخ أو الإهمال، أو فقدًا مؤلمًا لم يلتئم أثره بعد، أو ضغوطًا اقتصادية واجتماعية تحاصر الفرد بلا مخرج.
وفي مجتمعاتنا العربية، حيث تُكبت المشاعر ويُنظر إلى الضعف النفسي كعيب، تتراكم الجروح حتى تصبح حملاً ثقيلاً ينعكس في نوبات قلق أو اكتئاب أو عزلة حادة. حتى وسائل التواصل الاجتماعي، التي وُجدت لتقريب المسافات، ساهمت في تضخيم مشاعر المقارنة والنقص، فصار الإنسان محاصرًا بصور الكمال الزائف، فيشعر أن حياته أقل قيمة مما يراها عند الآخرين.
هكذا ينشأ الاضطراب النفسي؛ ليس فجأة، بل كحصيلة تراكمات متتابعة من الإهمال، والوحدة، وضغط التوقعات.
ومن أنواع الاضطرابات الأكثر شيوعًا على سبيل التمثيل لا الحصر: اضطراب القلق العام؛ الذي يعيش صاحبه في حالة من الترقب المستمر، كأنه ينتظر كارثة لا يعرف ملامحها. كل موقف بسيط يتحول في عقله إلى خطر، وكل فكرة إلى احتمالٍ للفشل. القلق ليس خوفًا من شيء محدد، بل هو خوف من المجهول، من كل ما لا يمكن السيطرة عليه.
والاكتئاب؛ الذي هو أكثر من مجرد حزن، بل انطفاء داخلي، شعور بأن العالم فقد لونه وصوته ومعناه. إذ يفقد الإنسان شغفه بالأشياء التي كانت تسعده، وتصبح أبسط المهام اليومية عبئًا لا يُحتمل. الاكتئاب يسرق من الإنسان قدرته على الشعور، حتى بالحب أو الراحة.
كما ان هناك نوع من الاضطرابات تمس بنية الشخصية نفسها، فتصبح العلاقات مرهقة، وردود الأفعال مبالغًا فيها، والتعامل مع الذات والآخرين مليئًا بالتناقضات. والتي يُطلق عليها أو تُسمى باضطرابات الشخصية، هذه الاضطرابات لا تظهر فجأة، بل تنمو ببطء عبر سنوات من الحرمان العاطفي أو التجارب المؤلمة.
ورغم اختلاف الأعراض، إلا أن المشترك بينها جميعًا هو الألم النفسي العميق الذي لا يُرى، لكنه يُشعر صاحبه بأنه محاصر داخل جسده.
وأكثر ما يعيق الشفاء الوصمة الاجتماعية حيث لا يزال المرض النفسي في ثقافتنا العربية يُقابَل بالخوف والسخرية، فيختبئ من يعاني خلف صمت طويل خشية أن يُتهم بالجنون، أو يُنظر إليه كضعيف الإرادة.هذه الوصمة تجعل كثيرين يرفضون زيارة الطبيب النفسي، أو حتى الاعتراف بمعاناتهم أمام أقرب الناس إليهم. لكن الحقيقة أن المرض النفسي لا يختلف عن أي مرض عضوي، يحتاج إلى تشخيص وعلاج ورعاية، لا إلى خجل أو إنكار.
من هنا تبرز مسؤولية الإعلام والمدارس والمؤسسات في كسر حاجز الصمت، بنشر الوعي النفسي وتقديم محتوى مسؤول وإنساني.
والتعافي من الاضطراب النفسي ليس لحظة مفاجئة، بل مسار طويل من الفهم والمواجهة. يبدأ أولاً بالاعتراف: أن ما أشعر به حقيقي ويستحق الاهتمام. ثم بالبحث عن المساعدة، سواء من مختص نفسي، أو مجموعة دعم، أو صديق يُحسن الاستماع.
وقد أثبت العلاج النفسي، خصوصًا العلاج السلوكي المعرفي فاعليته في إعادة بناء التفكير والتعامل مع الذات والعالم. كما تلعب العناية الذاتية دورًا مهمًا في التعافي: ممارسة التأمل، المشي المنتظم، النوم الكافي، الكتابة، والابتعاد عن البيئات السامة. والأهم هو أن يفهم الفرد أن التعافي لا يعني غياب الألم تمامًا، بل القدرة على العيش رغم وجوده.
وفي النهاية الاضطرابات النفسية ليست نهاية الطريق، بل بداية إدراك أعمق للذات. من يعاني لا يحتاج إلى نصيحة، بل إلى احتواء وفهم، والصحة النفسية ليست رفاهية، بل ضرورة وجودية، لأن العقل المنهك لا يستطيع أن يفرح، والقلب الموجوع لا يقدر على العطاء. فلنتعلم أن نسأل من حولنا “هل أنت بخير؟” بصدق، وأن نصغي بلا أحكام، لأن كلمة واحدة صادقة قد تنقذ حياة، لا عيب في طلب المساعدة، ولا ضعف في البكاء، فالنفس — مثل الجسد — تستحق أن تُشفى وتُحتضن وتُحب.

