يا مسكين ¡¡
بقلم :
د كامل عبد القوى النحاس
في عالم تُقاس فيه قيمة الإنسان بما يملك، لا بما يكونه، تبدو العودة إلى كتاب المساكين لمصطفى صادق الرافعي أشبه باستعادة بوصلة أخلاقية افتقدها كثير من الناس وسط صخب المادة وسرعة الحياة. فبينما تتسابق المجتمعات إلى تعظيم الثروة والنجاح الظاهر، يلتفت الرافعي إلى أولئك الذين يقفون على هامش المشهد، لا ليبكي مآسيهم أو يستدر عطف القارئ عليهم، بل ليطرح سؤالاً أعمق:
من هو الغني حقاً؟
ومن هو الفقير حقاً؟
الأدب عند الرافعي مرآة لجوهر الإنسان، لا مجرد تسلية لتمضية الوقت.
في كتاب المساكين، لم يكتفِ مصطفى صادق الرافعي برصد مآسي الفقراء أو تتبع مظاهر البؤس في الطرقات كما يفعل بعض الكُتّاب، بل خاض مغامرة فكرية وإنسانية جريئة.
لقد اقتحم عالم الهامش ليعيد رسم الخريطة الإنسانية من جديد، جاعلاً من هذا الهامش المظلوم مركزاً للرؤية، ومنطلقاً لمحاكمة القيم المادية الزائفة التي تعبث باستقرار النفوس والمجتمعات.
فالرافعي لا يكتب عن الفقراء بوصفهم فئة اجتماعية معزولة، بل يكتب بلسان حالهم ليعيد اكتشاف الإنسان في صورته الأولى، مجرداً من الألقاب والرتب وبريق المتاع الذي كثيراً ما يخدع الأبصار ويحجب البصائر.
ومن هنا فإن القارئ لا يجد نفسه أمام سرد يصف الوجع فحسب، بل أمام أدب يضعه وجهاً لوجه أمام حقيقته العارية خلف الأقنعة.
وكأن الرافعي يريد أن يقول إن الأدب الذي لا ينفذ إلى الألم الإنساني الصامت يفقد مبرره الأخلاقي قبل أن يفقد قيمته الفنية.
ولعل من أجمل ما يميز الكتاب أن الرافعي لا ينظر إلى المسكنة باعتبارها حالة تستدعي الشفقة، بل يراها مدخلاً إلى نوع من التطهير الوجداني والارتقاء الروحي. فهو يعيد تعريف السيادة تعريفاً مختلفاً؛ فلا يجعلها رهينة المال أو النفوذ أو الجاه، بل يجعلها رهينة الاستغناء الداخلي وقدرة الإنسان على التحرر من عبودية الرغبات.
إن المسكين الذي صفت نفسه عند الرافعي ليس إنساناً مهزوماً، بل إنسان استرد سلطانه على قلبه وشهواته، فصار حراً في عالمه الداخلي وإن ضاقت به الدنيا من حوله.
وهنا تبرز إحدى الأفكار المركزية في الكتاب:
أن الكرامة لا تُشترى، وأن العزة الحقيقية قد تسكن قلب رجل لا يملك من الدنيا إلا القليل.
ويجسد الرافعي هذه الفكرة في واحدة من أبلغ صوره حين يقول:
يا مسكين، إنما أنت في هذه الدنيا كأنك في سفينة، فما يضيرك أن تكون في طبقتها السفلى ما دامت السفينة سائرة بك إلى الشاطئ.
في هذا التشبيه المكثف تتحول المعاناة من قدر عبثي إلى رحلة ذات غاية، ويتحول المسكين من ضحية للأحداث إلى مسافر يدرك أن قيمة الرحلة ليست في الموضع الذي يشغله داخل السفينة، وإنما في سلامة الوصول إلى الشاطئ.
ولا يقف الرافعي عند حدود التأمل الأخلاقي، بل يتعمق في فهم النفس البشرية نفسها. فالحرمان في نظره ليس دائماً خسارة مطلقة، إذ قد يفتح للإنسان أبواباً من البصيرة لا تُفتح لغيره.
ومن هنا تتحول المعاناة من مجرد نقص في المتاع إلى تجربة تكشف معادن النفوس وتختبر قدرتها على الصبر والرضا.
إن الإنسان الذي يملك الرضا يملك شيئاً لا تمنحه الأسواق ولا تضمنه الثروات.
ولذلك يبدو الرافعي معنياً بإبراز الغنى المعنوي أكثر من عنايته بوصف الفقر المادي. فإذا رضي المسكين اكتسب قوة داخلية تجعله أكبر من ظروفه، وإذا سخط الغني فقد جانباً من ثروته الحقيقية مهما تضاعفت أرصدته.
ومن هذا المنظور يغدو المساكين كتاباً في فهم الإنسان بقدر ما هو كتاب عن الفقر. إنه يدرس ما تفعله الشدائد بالروح، وكيف يمكن للمحنة أن تصنع من صاحبها إنساناً أكثر وعياً بنفسه وبالعالم من حوله.
وعلى الصعيد الاجتماعي، يرفض الرافعي أن يكون الأدب مجرد زخرفة لفظية أو متعة ذهنية عابرة. إنه يراه قوة أخلاقية قادرة على إصلاح المجتمع من الداخل. فالأزمات الكبرى في نظره لا تبدأ دائماً من نقص الموارد، وإنما تبدأ حين تضعف الرحمة وتذبل مشاعر التعاطف بين الناس.
ولهذا يجعل من الرحمة أساساً للعمران الإنساني، ويرى أن حماية الضعفاء ليست تفضلاً من الأقوياء، بل ضرورة تحفظ تماسك المجتمع كله. فالمجتمع الذي يهمل أضعف أفراده يضعف هو الآخر، أما المجتمع الذي يصون كرامة المهمشين فإنه يحمي نفسه قبل أن يحميهم.
وهنا تكتسب أفكار الكتاب راهنية لافتة. ففي زمن تتسع فيه الفجوات الاجتماعية وتزداد فيه النزعة الاستهلاكية، يعود المساكين ليذكرنا بأن أزمة المجتمعات لا تكمن فقط في توزيع الثروة، بل في توزيع الإحساس الإنساني نفسه. فالفقر الأخطر ليس فقر الجيوب، وإنما فقر القلوب من الرحمة والشعور بالآخرين.
ومن أجمل ما يطرحه الرافعي أن المساكين الحقيقيين قد لا يكونون أولئك الذين فقدوا المال، بل أولئك الذين فقدوا القدرة على الإحساس بآلام الناس.
فالإنسان قد يملك خزائن الأرض كلها، ثم يكون أفقر الناس روحاً إذا انقطعت صلته بمعاني الرحمة والإنسانية.
ومع ذلك، يمكن للقارئ المعاصر أن يلاحظ أن لغة الرافعي العالية، بما فيها من كثافة بيانية وإيقاع خطابي مميز، قد تجعل بعض القراء يشعرون بمسافة بينهم وبين النص. غير أن هذه اللغة نفسها كانت جزءاً من مشروعه الأدبي؛ فهو لم يكن يريد أن يساير الذوق السائد، بل أن يرتقي به، وأن يجعل من الأدب مساحة للتأمل والتزكية والسمو الروحي.
لهذا نجح الرافعي في أن يرفع قضية الفقر من كونها مشكلة اجتماعية عابرة إلى قضية إنسانية وفكرية خالدة. فهو لم ينزل بالأدب إلى مستوى الانكسار، بل ارتقى بالمعاناة نفسها لتصبح مصدراً للمعنى، ومنطلقاً لاكتشاف أعماق الإنسان.
وبعد ما يقرب من قرن على صدور المساكين، ما يزال الكتاب محتفظاً بقدرته على إيقاظ الأسئلة الكبرى في النفس. وما يزال الرافعي يهمس من بين صفحاته بأن الفقر الحقيقي ليس فراغ اليد، وإنما فراغ القلب من الرحمة، وأن الغنى الحق ليس كثرة الممتلكات، وإنما اتساع الروح بالرضا والإيمان.
ولعل هذه هي الرسالة الأعمق التي أراد الرافعي أن يتركها للأجيال: أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يجمعه من متاع، بل بما يحمله في قلبه من نور. وأن الأمم لا تُقاس بثرواتها وحدها، بل بقدرتها على أن ترى الإنسان حيث لا يراه الآخرون، وأن تحفظ كرامته قبل أن تحصي أمواله. هكذا يبقى المساكين كتاباً يتجاوز زمانه، لأنه يتحدث عن الحقيقة التي لا يغيّرها زمان: حقيقة الإنسان.
