مقال

“نفحات الجمعة… حين تهمس السماء بوحدة الأمة: من دروس التاريخ إلى ميلاد عهد جديد بعد زمن التمزق ،والحروب”


بقلم / الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.
المقدمة: الجمعة… نداء السماء لوحدة الأرض:
في كل جمعة، يتكرر المشهد ذاته: أمةٌ تتجه إلى قبلة واحدة، وتستمع إلى خطاب واحد، وتردد ذكرًا واحدًا… ومع ذلك، تعيش تفرقًا لا يليق برسالتها!
إن الجمعة ليست مجرد شعيرة، بل نداء رباني أسبوعي لإعادة بناء الأمة على أساس الوحدة، وكأن الله تعالى يقول لنا: اجتمعوا في صلاتكم… لتجتمعوا في مصيركم.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾،[الجمعة:٩].
أولًا: الوحدة… قدر الأمة وسر نصرها:
الوحدة ليست ترفًا فكريًا، بل شرط وجود:
قال تعالي:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾،
[ال عمران:١٠٣].
ويقول النبي ﷺ:
“المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا” (متفق عليه)
ويقرر ابن تيمية:
“الاجتماع أصل عظيم من أصول الدين، والفرقة من أعظم أسباب الهلاك”
ثانيًا: من التاريخ… حين صنعت الوحدة المجد:
في بدر: انتصر الإيمان حين توحد الصف.
في معركة حطين: لم تُحرر القدس إلا بعد أن وحّد صلاح الدين الأيوبي الصفوف.
وفي الأندلس: سقطت حين تحولت الوحدة إلى صراع.
إنها سنة لا تتبدل:
الوحدة = قوة
الفرقة = سقوط
ثالثًا: الواقع المعاصر… هدنات ظاهرها هدوء وباطنها صراع:
ما يُتداول حول تهدئة، أو هدنة بين القوى الكبرى، ومنها التوترات بين أمريكا وإيران، لا يعني نهاية الصراع، بل هو:
إعادة تموضع استراتيجي
اختبار لوعي الأمة
فرصة… أو تهديد.
وهنا يبرز السؤال: أين نحن؟
رابعًا: المحور المفصلي… وحدة الأمة عقائديًا ،وتقارب العلماء:
1) هل يمكن أن تتوحد الأمة عقديًا؟:
نعم… ولكن ليس بمعنى إلغاء التنوع، بل بمعنى:
الاتفاق على الأصول الكبرى (القرآن – السنة – التوحيد – قبلة واحدة)
والتسامح في الفروع الاجتهادية
قال تعالى:
﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾
ويقول الإمام الشافعي:
“رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”.
2) لماذا تفاقمت الخلافات؟:
التعصب المذهبي
التوظيف السياسي للدين
غياب أدب الاختلاف
تدخل الإعلام في تضخيم النزاعات.
3)كيف يحدث التقارب بين علماء الأمة؟:
أولًا: العودة إلى الأصول:
جعل القرآن والسنة مرجعية عليا
تقديم النص على الهوى ،والمذهب
ثانيًا: إحياء فقه الخلاف:
التمييز بين (الخلاف السائغ) و(الخلاف المذموم):
احترام المدارس الفقهية
ثالثًا: إنشاء مجامع علمية مشتركة:
تجمع علماء الأمة بمختلف مذاهبهم
تصدر بيانات موحدة في القضايا الكبرى
رابعًا: وقف خطاب الكراهية:
تجريم التكفير، والتبديع بغير علم
نشر ثقافة الرحمة.
عدم السب ،والرجوع الي أصولنا الصحيحة.
خامسًا: توجيه الإعلام الديني:
من ساحة صراع إلى منصة وحدة.
4) نماذج تاريخية مشرقة للتقارب:
كان الأئمة الأربعة يختلفون… لكنهم يتحابون:
لم يمنع الخلاف بين أبي حنيفة ،ومالك، والشافعي، وأحمد من وحدة الأمة.
في زمن صلاح الدين الأيوبي، توحدت المدارس الفقهية تحت راية الجهاد أمام الأعداء .
5 هل التقارب مستحيل؟:
قطعًا لا.
بل هو:
ممكن شرعًا
واقع تاريخيًا.
ضرورة مصيرية.
لكن يحتاج إلى:
إرادة صادقة
قيادات واعية.
مشروع جامع.
6- بداية عهد جديد… كيف؟:
إعلان “ميثاق وحدة العلماء”
عقد مؤتمرات دورية للوحدة
توحيد الخطاب في القضايا الكبرى. (فلسطين – الهوية – الاستقلال)
بناء جيل جديد لا يحمل أحقاد الماضي
ويجتمع علي الأصول الصحيحة الثابتة.
خامسًا: لماذا لا ننتصر؟:
لأننا مختلفون
لأننا بلا مشروع
لأننا لم نحول الدين إلى قوة حضارية.
﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾
سادسًا: نحو مشروع عالمي للأمة:
وحدة فكرية
تكامل اقتصادي في كل المجالات ،والعمل علي ايجاد نهضة انتاجية اقتصادية ،والأكتفاء الذاتي للأمة في غذائها ،ودوائها ،وكسائها، وسلاحها.
تحالف سياسي
نهضة تعليمية،وبحثية في شتي المجالات.
يقول مالك بن نبي:
“الأفكار إذا لم تتحول إلى عمل، تبقى حبيسة العقول”
سابعًا: الجمعة… منبر صناعة الوحدة:
يجب أن تتحول خطبة الجمعة إلى:
مشروع وعي.
خطاب وحدة.
منصة إصلاح.
الخاتمة: بين النفحات، والبشائر
إن الجمعة تقول لنا كل أسبوع:
عودوا إلى الله… تجتمعوا
اجتمعوا… تنتصروا
انتصروا… تقودوا العالم من جديد
وأن بداية الطريق ليست في السلاح فقط بل أيضا في:
وحدة القلوب
وحدة الكلمة
وحدة العلماء
قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾،[الصف:٤].
المراجع:
١)القرآن الكريم
٢)صحيح البخاري ومسلم
٣)الترمذي
٤)ابن تيمية – مجموع الفتاوى – دار الوفاء.
٥)ابن الأثير – الكامل في التاريخ – دار الكتب العلمية
٦)مالك بن نبي – شروط النهضة – دار الفكر.
٧)الشافعي – الرسالة.
٨)ابن كثير – البداية، والنهاية.

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *