ندوة علمية رصينـة تطرح استراتيجية متكاملة لمواجهة ظاهرة الانتحار

كتبت /منى منصور السيد
تحت رعاية علمية وأكاديمية متميزة، أقام اتحاد التدريسيين الجامعيين العالمي وجامعة الأرائك الدولية، بالتعاون مع المجلس الاستشاري الأسري العراقي، ندوة علمية بعنوان “المسؤولية المشتركة في مواجهة ظاهرة الانتحار: من التشخيص إلى العلاج”. شهدت الندوة، التي أدارتها الإعلامية الدكتورة أسماء لاشين، حضوراً واسعاً من الأكاديميين والباحثين والمختصين، وشكلت حدثاً مهماً في مناقشة واحدة من أعقد القضايا التي تواجج المجتمعات المعاصرة وتصيب نسيجها الإنساني.
انطلقت أعمال الندوة برؤية تشخيصية وعلاجية واضحة، رتب خلالها المتحدثون أوراقهم العلمية لتبدأ من جذور الأزمة وصولاً إلى امتداداتها النفسية والوجودية؛ حيث افتتحت الطروحات بورقة الدكتورة بشرى صالح التي ركزت على تفكك الروابط داخل البيئة الأسرية وانعكاسه في تنامي الفكر والسلوك الانتحاري، تلاها الأستاذ الدكتور حسين حسين زيدان باحثاً في الصمود النفسي في بيئة معقدة وسيكولوجية الانتحار وفجوات الدعم لتعزيز أساليب الوقاية، ثم الدكتورة هديل علي قاسم التي قدمت ورقة حول ثقافة الأمل ومواجهة اليأس من خلال رؤية إسلامية معاصرة لظاهرة الانتحار، واختتمت الأطروحات بورقة الأستاذة يمامة محمد الاستثنائية المعنونة بـ “حين يثقل الوجود: قراءة اجتماعية في ظاهرة الانتحار”.
إن هذه الأوراق العلمية، في تكاملها البنيوي، تمنحنا تحليلاً شاملاً لظاهرة الانتحار، يكشف أنها ليست مجرد عَرَض منفصل أو قرار فردي مفاجئ، بل هي نتاج حتمي لتشابك مأساوي بين عدة عوامل؛ وتبدأ الأزمة من النواة الأولى حيث الأسرة التي تمثل الملاذ العاطفي والدرع الواقي للفرد، وحين يصيب التفكك تلك الروابط ويغيب الدفء العاطفي والتواصل الإنساني الواعي، ينكشف الفرد تماماً ويتولد لديه الفكر الانسحابي والسلوك الانتحاري، خاصة لدى الأفراد الأكثر هشاشة الذين يفقدون بذلك خط دفاعهم الأقوى.
هذا الانكشاف الأسري يقذف بالفرد وحيداً في مواجهة مجتمع متشابك الضغوط، ورغم أن الإنسان بطبيعته يمتلك قدرة على التكيف، إلا أنه ينكسر عندما يواجه بيئة بالغة التعقيد في ظل غياب كامل لفجوات الدعم النفسي والمؤسسي، وإن افتقار الفرد للأدوات السيكولوجية والتربوية التي تمكنه من المقاومة، يجعل من تعزيز أساليب الوقاية المبكرة حبل النجاة الأخير قبل السقوط في وهاد الانهيار، وهو ما يتجاوز البعد النفسي المؤقت ليصبح أزمة وجودية عميقة ترتبط بغياب الأمل وفقدان البوصلة الروحية التي تجعل الفرد عاجزاً عن إيجاد مغزى للحياة؛ وهنا تبرز الحاجة الملحّة لإرساء ثقافة الأمل ومواجهة اليأس عبر رؤية إيمانية معاصرة تصنع للإنسان درعاً داخلياً متيناً يحميه من الانكسار أمام العواصف الخارجية.
وتتلاقى كل الأبعاد السابقة لتصطدم بواقع مجتمعي مادي ضاغط، حيث المجتمع بماديته الخانقة وغياب قنوات الاستيعاب الحقيقية فيه، يتحول من بيئة حاضنة إلى بيئة طاردة، تضاعف شعور الفرد بالاغتراب التام، وتجعل العبء الوجودي واليومي فوق طاقة الاحتمال، حتى يغدو الوجود نفسه في عين صاحبه حملاً ثقيلاً لا يطاق، ويدفعه للبحث عن مخرج اضطراري.
إن مواجهة هذه الظاهرة، كما خلصت إليها الندوة، تفرض صياغة استراتيجية وطنية وإقليمية شاملة وعاجلة تتجاوز الطروح التقليدية، وترتكز أولاً على الترميم الأسري المستدام عبر تفعيل برامج الإرشاد الأسري وإعادة بناء قنوات الحوار الدافئ داخل البيوت، وتمكين الوالدين من أدوات الدعم العاطفي لاكتشاف المؤشرات الأولية للاكتئاب لدى الأبناء، وثانياً على سد فجوات الدعم النفسي بدمج الدعم السيرفيس النفسي كجزء أساسي في المؤسسات التعليمية وبيئات العمل وتوفير خطوط ساخنة ومراكز استشارية تضمن السرية التامة وتقدم أدوات الصمود النفسي والوقاية المبكرة.
كما تتطلب الاستراتيجية إحياء الخطاب الروحي التفاؤلي عبر تجديد الخطاب الديني والتربوي ليرتكز على بث ثقافة الأمل وتعميق القيم الإنسانية والروحية التي تمنح الحياة غايتها السامية، والابتعاد عن الوعظ الترهيبي الجاف لصالح الوعظ الاحتوائي الشافي، وصولاً إلى أنسنة البيئة المجتمعية عبر التخفيف من حدة الضغوط المادية وإيجاد قنوات استيعاب حقيقية للشباب، ومحاربة التنمر والاغتراب، وتفعيل دور الإعلام المسؤول في نشر الوعي والوقاية بدلاً من الإثارة وتعميق الوعي السلبي.
إن ندوة المسؤولية المشتركة في مواجهة ظاهرة الانتحار لم تكن مجرد تظاهرة أكاديمية عابرة، بل كانت صرخة وعي حقيقية، أثبتت أن حماية النفس البشرية هي منظومة متكاملة تبدأ من دفء الأسرة، وتمر بصلابة النفس وحصانة الروح، لتنتهي بأمان المجتمع؛ وهي المسار الوحيد لإنشاء شبكات أمان تعيد للذات توازنها ولالمجتمعات تماسكها الاستراتيجي، دمتم ودامت جهودكم منارة للوعي والوقاية.



