بقلم / هاله المغاورى فيينا
في مدينة بارندورف بولاية بورغنلاند النمساوية، احتضنت قاعة “أرينا 7111” فعالية “Fest des Friedens” – مهرجان السلام، التي جمعت بين الموسيقى، والذاكرة التاريخية، والشهادات الإنسانية المؤثرة، وذلك بمناسبة افتتاح معرض “What Now? – Holocaust Survivors Between Rebirth and Remembrance” بالتعاون مع مؤسسة “ياد فاشيم” العالمية لإحياء ذكرى الهولوكوست.
واستُهلت الأمسية بكلمة عمدة مدينة بارندورف فولفغانغ دانيال (Wolfgang Daniel)، الذي رحّب بالحضور وأكد أن استضافة هذا المعرض في بورغنلاند تحمل رسالة إنسانية وتاريخية مهمة، خاصة في ظل تصاعد خطابات الكراهية والتطرف في أوروبا والعالم. وشدد على أن مسؤولية المدن والمجتمعات المحلية لا تقتصر على التنمية والخدمات فقط، بل تشمل أيضًا حماية الذاكرة الإنسانية وتعزيز قيم السلام والتعايش.
وأشار دانيال إلى أن بارندورف، التي كانت خلال الحرب العالمية الثانية إحدى المناطق التي مرّت بها قوافل العمال القصريين ومسيرات الموت، تتحمل مسؤولية أخلاقية في إبقاء هذه القصص حيّة أمام الأجيال الجديدة، مؤكدًا أن “ثقافة التذكر ليست رفاهية، بل أساس لمستقبل يسوده السلام”.
بعد ذلك، افتُتحت الفعالية بعروض موسيقية قدمها ثلاثي مدرسة الموسيقى في ماترسبورغ، إلى جانب فرقة “Tamburica Orchestra”، التي شاركت بمقطوعات موسيقية مؤثرة أضفت على الأمسية طابعًا إنسانيًا وحزينًا يتناسب مع طبيعة الذكرى.
وخلال المناسبة، تحدثت أندريا بورغنلاند (Andrea Burgenland)، الناشطة في مجال الذاكرة التاريخية والمشاركة في تنظيم فعاليات السلام والحوار المجتمعي في الولاية، عن أهمية إبقاء الذاكرة حيّة، مؤكدة أن السلام لا يُبنى بالنسيان، بل بمواجهة الماضي والاعتراف بالمعاناة الإنسانية. وأشارت إلى أن بورغنلاند، بحكم تاريخها وموقعها الحدودي، تمتلك مسؤولية خاصة في دعم ثقافة التذكر والحوار بين الأجيال.
ومن أبرز فقرات الأمسية، الكلمة التي ألقتها الكاتبة والباحثة إليزابيث فرانكل-بالتسوريتس، المتخصصة في التاريخ الإقليمي وقصص النساء البارزات في بورغنلاند، والتي عُرفت باهتمامها بتوثيق سير النساء المرتبطات بفترة النازية والمقاومة.
وقدمت فرانكل-بالتسوريتس عرضًا مؤثرًا عن حياة السيدتين هانا شتورم وكاثي ساسو، اللتين أصبحتا من أبرز رموز المقاومة والنجاة في النمسا.
وأكدت فرانكل-بالتسوريتس أن السيدتين واصلتا بعد الحرب الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتحولتا إلى شاهدتين بارزتين على جرائم النازية، من خلال لقاءات المدارس والفعاليات العامة.
كما تحدثت الوزيرة إليزابيث براندنر-بالكوفيتس، وهي من أصول كرواتية من بورغنلاند، عن علاقتها الشخصية بثقافة الذاكرة في المنطقة، مؤكدة أن قصص الناجين والشهود لم تعد مجرد روايات تاريخية، بل مسؤولية أخلاقية يجب نقلها إلى الأجيال الجديدة.
أما المؤرخ النمساوي يوهانس رايس، المدير السابق للمتحف اليهودي في آيزنشتات، فقد قدّم الكلمة الافتتاحية لمعرض “What Now?”، وطرح سؤالًا ظل يرافقه طوال سنوات عمله: “كيف استطاع بعض اليهود العودة إلى المدن التي طُردوا منها بعد الحرب؟”.
وأوضح رايس أن المعرض يركز على مرحلة ما بعد التحرير، وعلى محاولات الناجين استعادة إنسانيتهم بعد سنوات من الإبادة والتجويع والخوف، مشيرًا إلى أن كثيرين عادوا ليجدوا عائلاتهم مقتولة ومنازلهم مدمرة أو مسلوبة.
وربط رايس بين الذاكرة اليهودية والتقاليد الدينية والتاريخية، موضحًا أن التذكّر يشكل عنصرًا أساسيًا في الهوية اليهودية، وأن المحرقة لم تكن مجرد حدث تاريخي، بل جرحًا امتد أثره عبر الأجيال.
كما تطرقت الفعالية إلى قصة الناجي اليهودي المجري إرنه لازاروفيتش، الذي نجا من “مسيرة الموت” إلى ماوتهاوزن، وكرّس حياته بعد الحرب للعمل في مجال التوعية والذاكرة والمصالحة الدولية. وقد استعرض المتحدثون مقتطفات من كتابه “طريقي عبر الجحيم”، الذي وثّق فيه تجربته مع العمالة القسرية ومعسكرات الاعتقال.
المعرض، الذي قُدم بالتعاون مع “ياد فاشيم”، ضم صورًا ووثائق وشهادات شخصية لناجين من المحرقة، ومن بين القصص المؤثرة التي عرضها المعرض، شهادة ياكوف “جاكي” هاندلي، الذي قال بعد حصوله على ملابس وأدوات حلاقة من الجنود الأمريكيين عقب تحريره من معسكر بيرغن بيلسن: “لقد جعلوني إنسانًا من جديد”.
كما عرض المعرض لوحات ورسومات لناجين حاولوا بالفن التعبير عن ذكريات لا يمكن للكلمات وحدها وصفها، إلى جانب وثائق تتناول استمرار العنف ضد اليهود حتى بعد نهاية الحرب، خاصة في أوروبا الشرقية.
وخلال الأمسية، تم توجيه الشكر إلى المشاركين والمنظمين والداعمين، من بينهم الباحثون والفنانون والمتطوعون الذين ساهموا في إعداد المعرض وتوثيق الفعالية، إضافة إلى فرق الموسيقى التي شاركت في البرنامج الفني.
واختُتمت الفعالية بدعوة الحضور إلى مواصلة الحوار خلال لقاء مفتوح ووجبة جماعية، في رسالة تؤكد أن مقاومة الكراهية تبدأ من التواصل الإنساني، وأن حماية الذاكرة ليست مجرد استعادة للماضي، بل دفاع عن الكرامة الإنسانية في الحاضر والمستقبل.

