Uncategorized

مكانة السنة في البناء التشريعي

مكانة السنة في البناء التشريعي

سلسلة مقالات بقلم: الأديب المفكر د. كامل عبد القوي النحاس

1- السنة النبوية.. الروح السارية في جسد التشريع

تمهيد:

في مستهل حديثنا عن منزلة السنة النبوية في البناء التشريعي، نجد أنفسنا أمام ضرورة منهجية لا غنى عنها؛ وهي تحرير المفهوم. فالسنة في جوهرها ليست مجرد نصوص موازية للقرآن، بل هي الروح السارية في جسد الكتاب العزيز، والضوء الذي يُبصر به العقل مقاصد الوحي.

ولأن التيارات التي تنادي بالاكتفاء بالقرآن تقتات عادة على ضبابية المفاهيم لدى العامة، وجب علينا نصب موازين التعريف الأصولي الصارم، ليتبيَّن الحق من الشبهة، فتستقيم المرجعية ويتحصن الوعي.

اولا : ضبط المصطلح.. من العاطفة إلى الانضباط

لقد أرهف جهابذة الأصول أقلامهم لضبط حدِّ السنة ضبطاً دقيقاً يخرج منه كل ما ليس من شأن التشريع؛ فهي عندهم الصراط العملي والنموذج المعصوم الذي رسمه النبي ﷺ ليكون لواءً يُهتدى به في فهم مراد الله.

وعندما نعود لرائد التأصيل الإمام الشافعي في كتابه العمدة الرسالة، نجد أن السنة عنده هي منهاج النبي ﷺ الذي لا ينفك عن الكتاب؛ فهي نصوص واجبة الاتباع، سواء جاءت كاشفة لغوامض القرآن أو مؤسسة لأحكام سكت عنها صريح النص القرآني، ومن ثمَّ فلا يُتصور إيمان بالكتاب مع جحود بيانه.

أما الإمام الآمدي في كتابه الإحكام، فقد صاغها بعبارة أصولية محكمة؛ فهي عنده: كل ما ثبت عن النبي ﷺ من غير القرآن، من قول أو فعل أو تقرير، مما يصح أن يكون حجةً يُستنبط منها مكنون الحكم الشرعي.

ومن وحي هذا الإرث العظيم، نخلص إلى أن السنة هي كل ما أُثر عن النبي ﷺ -غير القرآن- من قول أو فعل أو تقرير، مما نُقل إلينا بطريق صحيح، وقُصد به التشريع والاقتداء العام.

ثانيا : السنة القولية.. هندسة القواعد الكلية

وهي الجواهر التي نطق بها لسان النبوة، فصارت بمثابة الدستور التفسيري والمنطلقات الكبرى للفقه الإسلامي.

• ميزان القلوب: قوله ﷺ:

إنَّما الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ.

وهذا النص هو عصب التشريع، ولولاه لظلت حركات الجوارح جسداً بلا روح. فالنية هي التي تمنح الفعل قيمته، وبدونها يتساوى في ميزان الحكم من يغتسل لمجرد التبرد من الحر ومن يغتسل بنية العبادة، فجاء القول النبوي ليفصل بوضوح بين العادة والعبادة.

• قاعدة صيانة الحياة: قوله ﷺ:

لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ.

كلمات معدودة أسست لحماية الوجود البشري؛ فبها نُدفع الأذى، وبها نُحرم العدوان،

وهي قاعدة ذهبية تملأ الفراغات التشريعية في كل حادثة مادية أو معنوية لم ينص عليها القرآن تفصيلاً، لتكون بمثابة صمام أمان للمجتمع.

• عدالة المعاملات: قوله ﷺ:

البَيِّعانِ بالخيارِ ما لم يَتفرَّقا.

بينما وضع القرآن أصل التراضي في البيع، وضعت السنة آلية لحماية هذا التراضي؛ فمنحت المشتري والبائع حق التراجع عن الصفقة طالما لم يفترقا من مجلس البيع، وذلك حفظاً للحقوق من عثرات الاستعجال أو الندم السريع.

ثالثا : السنة الفعلية.. تجسيد النص في فضاء الواقع

تمثل الأفعال النبوية الترجمة الحية التي أخرجت أوامر القرآن من حيز التصور الذهني إلى حيز التطبيق الواقعي المشاهد.

• هيئة الصلاة: نادى القرآن الكريم بـ أقيموا الصلاة، فظل الأمر مجملاً يفتقر للتفاصيل، حتى جاءت أفعال النبي ﷺ ركوعاً وسجوداً مع قوله:

صَلُّوا كما رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي.

 فكان فعله هو المفتاح والمثال الذي لولاه لما عرفنا كيف نقف بين يدي الله.

• مناسك الحج: طاف النبي ﷺ وسعى وقال:

لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ.

 فبفعله الحركي حفظ للأمة معالم الشعائر من التحريف أو الاندثار التاريخي، وسَيّج العبادة بحدود تمنع الابتداع.

• إجراءات العدالة: برزت مرونة النظام الإسلامي في فعله ﷺ حين قضى باليمين مع الشاهد الواحد، ليؤكد أن فعل المعصوم هو المتمم لبنيان العدالة الذي وضعه القرآن في الشهادات، لضمان وصول الحق لأصحابه.

رابعا : السنة التقريرية.. مباركة الاجتهاد وإمضاء المباح

وهي من أبلغ صور الحجية؛ إذ إن سكوت النبي ﷺ عن فعل رآه أو قول سمعه هو إقرار صامت يمنح الصفة الشرعية لتلك المواقف.

• شرعية الاختلاف.. قصة بني قريظة:

بعد غزوة الأحزاب، وجّه النبي ﷺ أصحابه قائلاً: لا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ. وفي الطريق حان وقت الصلاة، فانقسم الصحابة لفريقين؛ فريق تمسك بحرفية الكلام فأخّر الصلاة حتى وصل، وفريق فهم أن المقصود هو السرعة فصلّى في الطريق قبل فوات الوقت.

وعندما علم النبي ﷺ بذلك، أقر الفريقين ولم يعنف أحداً منهما.

هذا التقرير هو شهادة ميلاد الفقه الأصولي؛ إذ بارك النبي تعدد الأفهام في النص الواحد، مبرهناً على أن السنة أفق يتسع لنظر المجتهدين وليست قيداً خانقاً.

• سعة المباح: سكت النبي ﷺ عن أكل الضّب على مائدته رغم أنه لم يأكله هو، وسكوته هذا كان تشريعاً بالإباحة، ليثبت أن صمته كمنطقه يهدي الأمة لمساحات السعة والرفق في العادات اليومية.

• استقرار العبادة: أقر النبي ﷺ الصحابي الذي تيمم وصلى لعدم وجود الماء، ثم وجد الماء بعد الصلاة ولم يعدها.

هذه الموافقة أسست لقاعدة الاستقرار الفقهي:

أن العبادة متى وقعت باجتهاد سائغ لم تُنقض، وهو ملمح دقيق يحفظ هيبة العبادة من التكرار بلا داعٍ.

الخاتمة:

الوحدة التي لا تقبل التجزئة

إنَّ ما انتهينا إليه في هذه الجولة يضعنا أمام حقيقة كبرى؛

وهي أن السنة النبوية بأركانها الثلاثة تمثل الوحدة العضوية التي يتنفس بها التشريع الإسلامي.

إنَّ المحاولة البائسة لهدم أي ركن من هذه الأركان هي في الحقيقة محاولة لهدم آلية الفهم القرآني ذاتها؛ فالقول يؤصل للقيم، والفعل يمثل القدوة، والتقرير يبارك السعة والرفق.

جسر العبور للمقال القادم:

ومن هذا التحرير الرصين، سننطلق في مقالنا القادم لنبحر في أعماق الوظيفة التشريعية؛ لنرى كيف يتعانق النص القرآني مع البيان النبوي في تلاحم عبقري، يربط السماء بالأرض، ويحول الوحي إلى منهاج حياة كامل، في مشهد يُلجم دعاوى الاكتفاء ويفتح أبواب اليقين.

سمر سمير

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *