مقال

معاقبة بني لحيان على غدرهم

بقلم / محمـــد الدكـــروري
جاء عن غزوة بني لحيان الكثير فهى غزوة قد حدثت في السنة السادسة للهجرة بين المسلمين وبني لحيان وكان الهدف منها، هو معاقبة بني لحيان على غدرهم بستة من الدعاة المسلمين عند ماء الرجيع قبل عامين من الغزوة، وقد كانت أرض بني لحيان تبعد عن المدينة أكثر من مائتين من الأميال، وهي مسافة بعيدة، يلاقي كل من يريد قطعها مشقة كبيرة، لكن النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، كان حريصاعلى الاقتصاص لأصحابه الذين استشهدوا، وبنو لحيان هم الذين كانوا قد غدروا بعشرة من أصحاب النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، بالرجيع، وتسببوا في إعدامهم، ولكن لما كانت ديارهم متوغلة في الحجاز إلى حدود مكة، والتارات الشديدة قائمة بين المسلمين وقريش والأعراب، لم يكن يري النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، أن يتوغل في البلاد بمقربة من العدو الأكبر، فلما تخاذلت الأحزاب، واستوهنت عزائمهم، واستكانوا للظروف الراهنة إلى حد ما، رأي أن الوقت قد آن.

 

لأن يأخذ من بني لحيان ثأر أصحابه المقتولين بالرجيع، فخرج إليهم في شهر ربيع الأول أو جمادي الأول فى السنة السادسة من الهجرة في مائتين من أصحابه، واستخلف على المدينة عبد لله ابن أم مكتوم، وقد أظهر صلى الله عليه وسلم أنه يريد الشام، ثم أسرع السير حتى انتهي إلى بطن غُران، وهو واد بين أملج وعُسفان، حيث كان مصاب أصحابه، فترحم عليهم ودعا لهم، وسمعت به بنو لحيان فهربوا في رءوس الجبال، فلم يقدر منهم على أحد، فأقام يومين بأرضهم، وبعث السرايا، فلم يقدروا عليهم، فسار إلى عسفان، فبعث عشرة فوارس إلى كراع الغميم لتسمع به قريش، ثم رجع إلى المدينة، وكانت غيبته عنها أربع عشرة ليلة، وعسفان هى بلدة تقع شمال غرب مكة المكرمة بمسافة ثمانين كيلو متر، وقد أدمجت أجزاء كبيرة منها بشمال شرق جدة، وهي منهل من مناهل الطريق بين الجحفة ومكة المكرمة، وتسمى بالأبواء لتبوء السيل بها، كما يكثر فيها النخيل، وقد مر بها من الرسل الكرام النبي صالح وهود وإبراهيم عليهم السلام.

 

وفيها شرعت صلاة الخوف في غزوة عسفان، وسميت عسفان بهذا الاسم لتعسف السيول بها، وهي عبارة عن حوض لمجموعة كبيرة من الأودية منها وادي هدى الشام والصب ومدركة ووادي فيدة وحشاش ووادي البياضة، تجتمع مياهها بعسفان وتتجه عبر الغولاء حتى تصب في البحر الأحمر، وقد كان بعد رحيل الأحزاب فى العام الخامس من الهجرة، فقد انتقل المسلمون من دور الدفاع إلى دور الهجوم وأصبحوا يمسكون بأيديهم زمام المبادرة، وحان الوقت لتأديب بعض القبائل ومنهم بني لحيان وهم حي من هذيل، الذين غدروا بخبيب بن عدي رضي الله عنه وأصحابه يوم الرجيع فى العام الرابع الهجرى، وكذلك أخذ ثأر الشهداء، فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في مائتي صحابي، وكانت أرض بني لحيان من هذيل تبعد عن المدينة أكثر من مائتين من الأميال، وهي مسافة بعيدة، يلاقي مشاق كبيرة كل من يريد قطعها، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصا على الإقتصاص لأصحابه من الذين استشهدوا غدرا.

 

على يد هذه القبائل الهمجية التي لا قيمة للعهود عندها، وهكذا كانت غزوة بني لحيان أن السبب فيها كان ثأرا من قتلة الشهداء الذين قتلوا علي أيدي اليهود يوم الرجيع فى العام الرابع الهجرى، وتأديب تلك القبائل الهمجية، الذين لا يحترمون العهود والمواثيق، وقيل أنه كما هي عادة النبي صلى الله عليه وسلم في تضليل العدو الذي يريد مهاجمته اتجه بجيشه نحو الشمال، بينما تقع منازل بني لحيان في أقصى الجنوب، وقد أعلن النبي صلى الله عليه وسلم، قبل تحركه نحو الشمال أنه يريد الإغارة على الشام، وحتى أصحابه لم يعلموا أنه يريد بني لحيان إلا عندما انحرف بهم نحو الجنوب، بعد أن اتجه بهم متوغلا نحو الشمال حوالي عشرين ميلا، في حركة تمويهية على العدو بارعة، وكان تغيير خط سيره صلى الله عليه وسلم، من الشمال إلى الجنوب عند مكان يقال له البتراء، ففي ذلك المكان عطف بجيشه نحو الغرب حتى استقام على الجادة منصبا نحو الجنوب، وكان النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، يعمل حساب كل القوى المجاورة.

 

ولا يغفل عن أي قوة منها، وقد صرح بعد غزوة الخندق وفشل المشركين وهزيمتهم بأن الخطة القادمة هي غزو قريش فقال النبى صلى الله عليه وسلم ” الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم ” رواه البخاري، فقد تغيرت الموازين، وأصبح المسلمون لهم القدرة على الهجوم أكثر من قبل، فسعى صلى الله عليه وسلم، لبسط سيادة الدولة الإسلامية على ما تبقى من قوى حول المدينة، لأن ذلك له صلة بالإعداد لغزو قريش في مرحلة لاحقة، ومن ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم، والمسلمون بالعديد من الغزوات والسرايا لمعاقبة المشركين من جهة، أو للثأر من القبائل التي كانت قد غدرت بالدعاة وقتلتهم، وناصبت الإسلام العداء من جهة أخرى، إذ لم ينس النبي صلى الله عليه وسلم، أصحابه العشرة الذين قتلوا يوم الرجيع غدرا وخيانة من بني لحيان، في السنة الرابعة من الهجرة.

ahmdabwyhyy224@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *