مصر والصين علاقات تاريخية واستراتيجية

كتب/احمد السيد جاب الله
في مشهد احتفائي مهيب، استقبلت القاهرة اليوم الرئيس الصيني شي جين بينج في زيارة دولة وصفها المراقبون بأنها “تاريخية بامتياز” . وقد كان في استقباله الرئيس عبد الفتاح السيسي بقصر الاتحادية، حيث جرت مراسم رسمية مهيبة شملت اصطفاف الخيول وإطلاق المدفعية إحدى وعشرين طلقة وعزف السلامين الوطنيين .
توقيت الزيارة وأبعادها الاستراتيجية
تكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة، فهي الأولى للرئيس الصيني إلى مصر منذ نحو عقد من الزمان ، وتأتي في توقيت بالغ الحساسية تشهده المنطقة والعالم . وتتزامن الزيارة مع احتفال البلدين بمرور سبعين عاماً على تدشين العلاقات الدبلوماسية، حيث كانت مصر أول دولة عربية وأفريقية تعترف بجمهورية الصين الشعبية عام 1956 .
وقد وضعت وسائل الإعلام العالمية الزيارة في سياق التحولات الكبرى التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، خاصة في أعقاب التطورات المرتبطة بالحرب مع إيران، مما يطرح تساؤلات حول من سيملأ الفراغ الاستراتيجي في المنطقة . ويؤكد خبراء أن هذه الزيارة تحمل رسائل استراتيجية مهمة وتأتي في ظل حالة غليان تشهدها عدة مناطق في العالم .
شراكة ممتدة ومشاريع طموحة
أكد الرئيس السيسي في مستهل المباحثات أن العلاقات بين البلدين ارتقت إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة منذ عام 2014، مما مكن البلدين من القيام بدور فعال في صياغة التفاعلات الدولية . وشهدت السنوات الأخيرة طفرة ملموسة في التعاون الثنائي، خاصة في مجالات توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا التي تحتل أولوية لدى البلدين .
وتتجسد هذه الشراكة في مشروعات كبرى، أبرزها المنطقة الصناعية المصرية الصينية “تيدا” في العين السخنة، ومنطقة الأعمال المركزية في العاصمة الإدارية الجديدة، وقطار العاصمة، ومحطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح . وقد أعلن الرئيس السيسي خلال المباحثات عن الاتفاق على تدشين المرحلة الثالثة من توسعات المنطقة الصناعية المصرية الصينية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بما يطلق مرحلة جديدة من الأعمال في قطاعات رئيسية مثل الطاقة المتجددة وصناعة السيارات والنسيج والألياف الكيماوية .
حصاد مثمر واتفاقيات شاملة
شهدت الزيارة توقيع حزمة واسعة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي تعكس عمق التعاون وتنوع مجالاته. فقد تم توقيع 5 اتفاقيات ومذكرات تفاهم رئيسية، بالإضافة إلى أكثر من 20 وثيقة أخرى للتعاون في مختلف المجالات .
ومن أبرز هذه الاتفاقيات: مذكرة تفاهم حول قائمة أولويات التعاون في إطار رؤية مصر 2030 ومبادرة الحزام والطريق الصينية، واتفاقية التعاون الاقتصادي والفني بين البلدين، ومذكرة تفاهم بشأن تعزيز التعاون الاقتصادي في مجال سلاسل الصناعة والإمداد، ومذكرة تفاهم بشأن التعاون في مجالات تكنولوجيا المعلومات، ومذكرة تفاهم بين الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس ووزارة التجارة الصينية . كما شملت الوثائق الأخرى مجالات التكنولوجيا والقطاع المالي والاقتصاد الرقمي والمواصلات والإعلام .
أبعاد إقليمية ودولية
لم تقتصر المباحثات على الجانب الثنائي، بل تناولت القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك. وأكد الرئيس السيسي حرص مصر على خفض حالة التصعيد في المنطقة وتغليب الحلول الدبلوماسية لتسوية الأزمات، مرحباً بتلاقي مواقف البلدين إزاء القضايا الإقليمية . وشملت المباحثات تطورات الأوضاع في غزة وأمن الملاحة في البحر الأحمر والتوترات في مضيق هرمز .
وتأتي هذه الزيارة في سياق جهود مصر لتنويع شراكاتها الدولية وتعزيز قدرتها على التحرك بصورة مستقلة بين القوى الكبرى، مع التمسك بسياسة الاتزان الاستراتيجي التي أرساها الرئيس السيسي بالانفتاح على جميع الأطراف الفاعلة . ويؤكد مراقبون أن العلاقة بين القاهرة وبكين تمثل نموذجاً فريداً للشراكة التنموية والسياسية التي تجمع بين أقدم حضارتين وتدعم تطلعات دول الجنوب العالمي .
وبهذه الزيارة التاريخية، ترتقي العلاقات المصرية الصينية إلى آفاق أرحب، في إطار رؤية مشتركة لتعزيز التعاون والاستقرار والتنمية، بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين وشعوبهما، ويسهم في بناء نظام دولي أكثر توازناً وعدالة.



