أخبار منوعة

كلمة الوزير المفوض للبوسنة والهرسك عاصم دوروفيتش في إحياء الذكرى الحادية والثلاثين لإبادة سربرينيتسا

فيينا – هالة المغاوري

جاءت كلمة الوزير المفوض ونائب الممثل الدائم للبوسنة والهرسك لدى المنظمات الدولية في فيينا، عاصم دوروفيتش (Asim Dorović)، خلال فعالية الأمم المتحدة بفيينا لإحياء الذكرى الحادية والثلاثين للإبادة الجماعية في سربرينيتسا، لتتجاوز إطار التأبين واستذكار الماضي، مقدمةً رؤية واضحة لمسؤولية المجتمع الدولي في حماية الحقيقة، وترسيخ العدالة، ومواجهة إنكار الجرائم الجماعية باعتبارها مدخلًا أساسيًا لبناء السلام.
واستهل دوروفيتش كلمته بالترحيب بالحضور، مؤكدًا أن الاجتماع لا يقتصر على إحياء ذكرى مأساة إنسانية، بل يجسد التزامًا أخلاقيًا تجاه أكثر من 8372 رجلًا وفتىً قُتلوا بصورة ممنهجة في يوليو عام 1995، إلى جانب آلاف الأمهات والآباء والزوجات والأطفال الذين لا تزال آثار الفقدان والمعاناة ترافقهم بعد أكثر من ثلاثة عقود.


وأكد أن إحياء الذكرى ليس فعلًا رمزيًا أو مناسبة سنوية عابرة، وإنما هو التزام بحماية الحقيقة، وصون كرامة الضحايا، وضمان أن تعرف الأجيال القادمة ما حدث في سربرينيتسا، ولماذا حدث، وما الذي ينبغي على المجتمع الدولي القيام به حتى لا تتكرر مثل هذه الجرائم في أي مكان من العالم.


وصف دوروفيتش الإبادة الجماعية في سربرينيتسا بأنها واحدة من أحلك صفحات التاريخ الأوروبي الحديث، وأكبر جريمة جماعية شهدتها أوروبا منذ الهولوكوست، مشيرًا إلى أن المأساة لم تكن نتيجة وحشية الحرب فحسب، بل كشفت أيضًا عن إخفاق المجتمع الدولي في حماية المدنيين الذين كانوا تحت حماية الأمم المتحدة.


وأوضح أن هذا الفشل لا يجب أن يبقى مجرد حدث تاريخي، بل ينبغي أن يتحول إلى درس دائم يعزز مسؤولية المؤسسات الدولية في حماية المدنيين ومنع وقوع جرائم مماثلة مستقبلاً.
ومن أبرز المحاور التي تناولها دوروفيتش تأكيده أن المصالحة الحقيقية لا يمكن أن تُبنى على الصمت أو تجاهل الماضي أو تقديم روايات انتقائية للتاريخ، بل تقوم على الاعتراف بالحقائق التي أثبتها القضاء الدولي.


وأشار إلى أن محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة حسمتا الجدل القانوني عندما أقرتا بأن ما وقع في سربرينيتسا عام 1995 يُعد إبادة جماعية، مؤكدًا أن احترام هذه الأحكام يمثل احترامًا للعدالة الدولية ولحقوق الضحايا.
وفي واحدة من أبرز العبارات التي وردت في كلمته، قال:
“الذنب مسؤولية فردية، أما المسؤولية تجاه التاريخ فهي مسؤولية مشتركة.”


وتحمل هذه العبارة رسالة بالغة الأهمية، إذ تميز بين المسؤولية الجنائية التي تقع على مرتكبي الجرائم، وبين المسؤولية الأخلاقية للمجتمعات والدول في حماية الحقيقة، وعدم السماح بتزييف التاريخ أو توظيفه لإثارة الكراهية والانقسام.
وركز الوزير المفوض للبوسنة والهرسك على ما وصفه بالخطر الجديد الذي يهدد السلام، والمتمثل في محاولات إنكار الإبادة الجماعية أو تشويه الوقائع التاريخية.


وأكد أن هذه المحاولات لا تسيء إلى ذكرى الضحايا فحسب، بل تعيد فتح الجراح، وتعزز انعدام الثقة، وتعرقل جهود المصالحة، وتشكل تهديدًا مباشرًا للاستقرار والسلام.
وفي هذا السياق، استشهد بعبارة البروفيسور حمداولوفيتش التي قال فيها: “إن إنكار الإبادة الجماعية هو استمرار للعنف بوسائل أخرى.”


واعتبر دوروفيتش أن هذه العبارة تختصر حقيقة ما تواجهه البوسنة والهرسك اليوم، فالمعركة لم تعد معركة لإثبات وقوع الجريمة، بعدما أثبتتها المحاكم الدولية، وإنما أصبحت معركة للدفاع عن الحقيقة في مواجهة محاولات الإنكار والتشويه.
وأولى دوروفيتش اهتمامًا كبيرًا لدور التعليم في حماية الذاكرة الجماعية، مؤكدًا أن مواجهة خطاب الكراهية تبدأ من المدارس والجامعات، عبر مناهج تستند إلى الأدلة التاريخية، ووثائق المحاكم الدولية، وشهادات الناجين.


وأشار إلى أن نقل الحقيقة إلى الأجيال الجديدة لا يهدف إلى إعادة إنتاج الصراعات، وإنما إلى بناء وعي إنساني قادر على رفض الكراهية والعنف، وترسيخ قيم العدالة واحترام الآخر.
ودعا إلى الحفاظ على الأرشيفات، والوثائق، وشهادات الناجين، باعتبارها جزءًا من ذاكرة الإنسانية، وضمانة لعدم تشويه الوقائع أو إنكارها في المستقبل.


كما رحب دوروفيتش بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر في مايو 2024، والذي أعلن الحادي عشر من يوليو يومًا دوليًا للتأمل وإحياء ذكرى الإبادة الجماعية في سربرينيتسا عام 1995.
وأكد أن هذا القرار يحمل دلالة تتجاوز حدود البوسنة والهرسك، إذ يعكس اعتراف المجتمع الدولي بأن ذكرى سربرينيتسا أصبحت جزءًا من الضمير الإنساني العالمي، وأن مسؤولية الحفاظ عليها لا تقع على عاتق الضحايا وحدهم، بل على العالم بأسره.
واختتم دوروفيتش كلمته بدعوة إلى تجديد الالتزام بالذكرى دون تحريف، وبالمصالحة دون إنكار، وبالسلام دون نسيان، وبالحقيقة دون مساومة، مؤكدًا أن الكلمات وحدها لا تكفي، وأن المسؤولية الحقيقية تبدأ بتحويل دروس الماضي إلى سياسات تعليمية وثقافية وإنسانية تحمي الأجيال القادمة من الوقوع في دوامة الكراهية والعنف.


ولم تكن كلمة عاصم دوروفيتش (Asim Dorović) مجرد خطاب في مناسبة لإحياء ذكرى مأساة تاريخية، بل جاءت بمثابة دعوة صريحة إلى المجتمع الدولي لإعادة التأكيد على أن العدالة لا تكتمل بإصدار الأحكام القضائية وحدها، وإنما بحماية الحقيقة من التزييف، والدفاع عن الذاكرة الإنسانية، وترسيخ ثقافة الاعتراف والاحترام المتبادل.


ومن منصة الأمم المتحدة في فيينا، حملت كلمته رسالة واضحة مفادها أن السلام الحقيقي لا يُبنى على النسيان، ولا على تجاهل الماضي، بل على مواجهة الحقيقة بكل شجاعة، لأن حماية الحقيقة ليست مجرد واجب تجاه ضحايا الأمس، بل هي مسؤولية تجاه أجيال الغد، وضمانة لعدم تكرار مثل هذه المآسي في أي مكان من العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى