مقال

الأرض لا تعتذر إذا ضاعت


بقلم : عماد نويجي
هناك لحظات في تاريخ الأمم يصبح فيها السؤال واجبا ويصبح الصمت خطيئة ويصبح البحث عن الحقيقة نوعا من حماية الوطن لا نوعا من معارضته

وحين يسأل المصري عن أرضه فلا ينبغي أن يتهم بالخوف ولا أن يوصف بأنه أسير لنظرية المؤامرة لأن الشعوب التي دفعت ثمن التفريط مرة واحدة تعلمت أن تراجع كل خطوة ألف مرة قبل أن تسمح بفتح باب قد لا تستطيع إغلاقه بعد سنوات

ليس الحديث هنا عن رفض الاستثمار ولا عن إغلاق أبواب التنمية فمصر تحتاج إلى رؤوس الأموال كما تحتاج إلى المصانع وإلى المدن الجديدة وإلى فرص العمل لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو أين تقف الحدود بين الاستثمار المشروع وبين ما قد يتحول مع مرور الزمن إلى واقع ديموغرافي جديد لم يكن أحد يتوقعه

لقد أعلنت الدولة المصرية أكثر من مرة رفضها القاطع لتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة إلى الأراضي المصرية وتمسكت بأن القضية الفلسطينية لا تحل على حساب السيادة المصرية وهذا موقف واضح لا يحتمل التأويل وهو موقف يحظى بتأييد واسع داخل المجتمع المصري

لكن السياسة لا تعيش على المواقف وحدها بل تحتاج دائما إلى قوانين واضحة وإجراءات معلنة ورقابة لا تعرف المجاملة لأن ما يطمئن المواطن ليس التصريحات وحدها بل المنظومة التي تمنع أي محاولة للالتفاف عليها

وهنا يبدأ السؤال الكبير

إذا كانت هناك قوانين تسمح بتملك الأجانب للعقارات فما هي الضمانات التي تمنع استخدام هذا الباب لتحقيق أهداف تختلف تماما عن الهدف الاقتصادي

قد يقول البعض إن مجرد امتلاك عقار لا يعني امتلاك وطن وهذا صحيح

لكن التاريخ يعلمنا أيضا أن التحولات الكبرى لا تبدأ دائما بالدبابات بل قد تبدأ بعقود بيع وباستثمارات وبحركة رؤوس أموال ثم تتغير الوقائع على الأرض ببطء حتى يصبح الرجوع مستحيلا

لا أحد يستطيع أن يجزم بأن هذا سيحدث في مصر ولا يملك أحد دليلا يثبت وجود مخطط من هذا النوع لكن غياب الدليل لا يمنع مناقشة وسائل الوقاية لأن الحكمة السياسية لا تنتظر وقوع الخطر حتى تبدأ التفكير فيه

ولو افترضنا جدلا أن أموالا ضخمة خصصت في يوم من الأيام لشراء آلاف الوحدات السكنية لصالح مجموعات سكانية بعينها فهل ستكون المنظومة القانونية قادرة على اكتشاف ذلك ومنعه إذا تعارض مع الأمن القومي

ولو انتقلت الملكية من أجنبي إلى أجنبي آخر عبر شركات أو وكلاء أو صناديق استثمار فهل توجد رقابة تكشف المالك الحقيقي أم أن الأوراق قد تخفي ما لا تكشفه الأسماء

وهل توجد حدود لنسب التملك في المناطق الحساسة أو القريبة من المواقع الاستراتيجية

وهل يملك المواطن حق معرفة هذه الضوابط حتى يطمئن إلى أن القانون يسبق الأحداث ولا يلاحقها

إن هذه الأسئلة ليست اتهاما لأحد وليست دليلا على وقوع شيء وإنما هي جزء من حق المجتمع في الاطمئنان إلى أن الأمن القومي لا يترك للمصادفة

أما الحديث عن الإسرائيليين تحديدا فهو يحتاج إلى قدر كبير من الدقة لأن وجود علاقات دبلوماسية ومعاهدة سلام لا يعني بالضرورة أن التملك يتم بلا قيود إذ تخضع معاملات تملك الأجانب في مصر لقوانين وإجراءات وتنظيمات ويظل للدولة الحق في فرض قيود إضافية كلما تعلق الأمر بالمصلحة العليا أو بالمناطق ذات الحساسية الأمنية

لكن يبقى السؤال الذي يشغل كثيرين

إذا انتقلت ملكية العقار مستقبلا من مالك أجنبي إلى آخر فهل تمر العملية عبر رقابة كافية تضمن عدم استغلال الثغرات القانونية

الإجابة على هذا السؤال لا ينبغي أن تظل حبيسة المكاتب بل يجب أن تكون معروفة للرأي العام لأن الشفافية هنا ليست ترفا بل جزء من حماية الثقة بين الدولة والمواطن

وفي المقابل لا يجوز تجاهل الوجه الآخر للصورة

ففتح الباب أمام الاستثمار الأجنبي ساهم في ضخ مليارات الجنيهات داخل السوق العقارية وخلق فرص عمل وحرك عشرات الصناعات المرتبطة بالبناء وجذب عملات أجنبية تحتاج إليها الدولة في ظروف اقتصادية صعبة

لكن كل مكسب اقتصادي يفقد قيمته إذا جاء على حساب اعتبارات الأمن القومي

فالاقتصاد يمكن تعويض خسائره مع الزمن أما السيادة فإذا أصابها خلل يصبح إصلاحه أكثر صعوبة

إن الدول الكبرى نفسها لا تترك ملكية الأراضي بلا ضوابط بل تفرض قيودا على المناطق الحدودية وعلى المنشآت الحيوية وعلى نسب التملك وعلى هوية المستثمر الحقيقي لأن حماية الأرض ليست عملا عاطفيا بل سياسة دولة

ولذلك فإن المصري الذي يقلق لا يطلب المستحيل

إنه يطلب فقط أن يعرف

من يحق له التملك

وأين يحق له التملك

وكم يحق له أن يتملك

ومن يراقب انتقال الملكية

وكيف تمنع الدولة أي محاولة لاستغلال القانون في غير الغرض الذي وضع من أجله

قد تكشف الأيام أن كل هذه المخاوف كانت مبالغا فيها

وقد تثبت الأيام أن الحذر كان في محله

لكن المؤكد أن الوطن لا يخسر شيئا عندما يراجع قوانينه ويغلق ثغراته ويصارح شعبه

فالأوطان لا تبنى بحسن النوايا وحده ولا تحمى بالشعارات وحدها

إنها تبنى بالشفافية وتحرس بالقانون وتصان بيقظة شعب يعرف أن الأرض ليست ميراث جيل واحد بل أمانة تنتقل من الآباء إلى الأبناء

ولهذا فإن السؤال عن الأرض ليس جريمة

بل هو أول واجبات المواطن الذي يعرف أن التاريخ لا يرحم الأمم التي تأخرت في طرح الأسئلة حتى وجدت أن الإجابات جاءت بعد فوات الأوان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى