اعلام

في يوم حرية الصحافة من فيينا: الحقيقة تحت الضغط… والصحفيون في الخطوط الأمامية

بقلم: هالة المغاوري

في لحظة عالمية تتصاعد فيها التحديات أمام حرية الصحافة، احتضن مركز فيينا الدولي فعالية دولية بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، نظمتها جمعية مراسلي الأمم المتحدة في فيينا (UNCAV)، لتتحول المنصة إلى مساحة حوار عميق جمعت بين الدبلوماسية، والإعلام، والتجارب الإنسانية الحية.

لم يكن الحدث مجرد احتفال رمزي، بل جاء ليطرح سؤالًا جوهريًا: هل لا تزال الحقيقة قادرة على الصمود في عالم تتزايد فيه الضغوط السياسية والتكنولوجية على الصحافة؟

منذ اللحظة الأولى، وضعت سونيا زيرودو، مديرة الجلسة، الإطار العام للنقاش، مؤكدة أن حرية الصحافة ليست مجرد مبدأ نظري، بل مسؤولية جماعية لحماية الحقيقة وتعزيز الشفافية. وأشارت إلى أن الصحفيين يواجهون اليوم تحديات متزايدة، حتى داخل الأنظمة الديمقراطية، حيث تتداخل المصالح السياسية مع العمل الإعلامي.

هذه الرؤية عززتها رسالة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، التي ألقتها سونيا فيلاسبيراغا، مؤكدة أن الصحفيين لم يعودوا فقط ناقلي الحقيقة، بل أصبحوا في كثير من الأحيان أول ضحاياها. إذ يواجهون القتل، والملاحقة، والرقابة، في ظل واقع صادم يتمثل في إفلات 85% من الجرائم المرتكبة بحقهم من العقاب.

وفي السياق ذاته، قدمت ماريا غابرييل، في رسالة منظمة اليونسكو، طرحًا أعمق، معتبرة أن حرية التعبير لم تعد قضية سياسية فقط، بل أصبحت معركة رقمية أيضًا، في ظل تسارع انتشار المعلومات المضللة، وعجز الأطر القانونية عن مواكبة التحولات التكنولوجية.

لكن ربما كان الطرح الأكثر تعقيدًا هو ما قدمه السفير النمساوي السابق غيرهارد رايفيغر، الذي أعاد تفكيك العلاقة التقليدية بين الدبلوماسية والصحافة. فبينما يُنظر إلى الدبلوماسية باعتبارها قائمة على السرية، والصحافة على الشفافية، أوضح أن الواقع أكثر تشابكًا، حيث تتطلب المفاوضات أحيانًا الكتمان لبناء الثقة، بينما تظل النتائج النهائية مرهونة بالشفافية.

هذا التوازن الهش بين السرية والانفتاح يعكس أزمة أعمق، حيث أشار رايفيغر إلى أن وسائل الاتصال الحديثة منحت القادة السياسيين قدرة غير مسبوقة على تجاوز الإعلام والتواصل المباشر مع الجمهور، ما أدى في بعض الأحيان إلى تهميش الدور النقدي للصحافة.

وفي قلب هذا النقاش، جاءت كلمة سكوت غريفن، المدير التنفيذي للمعهد الدولي للصحافة، لتضع الواقع في سياقه العالمي، محذرًا من تصاعد الهجمات على الصحفيين، سواء عبر القتل أو الاعتقال أو التشويه الإعلامي، مؤكدًا أن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في هذه الانتهاكات، بل في غياب المساءلة الدولية الكافية.

لكن الحدث لم يقتصر على الرؤى المؤسسية، بل انتقل إلى مستوى أكثر إنسانية مع مداخلة الصحفية أوليا الأحمد، التي قدمت شهادة حية عن العمل الصحفي في مناطق النزاع.

بصوت يحمل مزيجًا من التجربة والألم، تحدثت عن كونها “نتاجًا لعالم ممزق بالحروب”، حيث تنتمي عائلتها إلى مناطق تشهد صراعات مستمرة، من أوكرانيا إلى السودان وسوريا. ورغم ذلك، شددت على أن الصحفي لا يملك رفاهية الانحياز، بل يظل ملتزمًا بنقل الحقيقة، مهما كانت قاسية.

وأكدت أن الصحافة ليست مهنة عادية، بل “كتابة للتاريخ”، مشددة على أن الصحفي الحقيقي هو من يعمل في الميدان، لا من يكتفي بإعادة إنتاج المعلومات. وكشفت عن تجاربها الشخصية، من التواجد تحت القصف، إلى فقدان عملها بسبب تمسكها بالحقيقة، في مشهد يعكس الثمن الحقيقي للصحافة الحرة.

وفي طرح لافت، أشارت إلى أن الصحفيات يمتلكن أحيانًا قدرة خاصة على الوصول إلى المعلومات، لكنهن يواجهن في المقابل مخاطر مضاعفة، سواء ميدانيًا أو اجتماعيًا.

أما إيفانا كوستادينوفا، مديرة مؤسسة “ليتل زوغراف”، فقد نقلت النقاش إلى بُعد مختلف، مؤكدة أن حرية التعبير لا تبدأ في غرف الأخبار، بل في الطفولة، من خلال الفن والقدرة على التعبير عن الذات.

وأوضحت أن الأطفال، من خلال رسوماتهم، يقدمون رؤى صادقة للعالم، تعكس مخاوفهم وآمالهم، مشيرة إلى أن الفن يمثل أحد أصدق أشكال التعبير الإنساني.

وفي مشهد يعكس تكامل الرسائل، تخللت الفعالية عروض فنية وموسيقية، أبرزها أداء نولكا دراغومانسكا، التي أكدت أن الفن، مثل الصحافة، يمثل لغة عالمية تتجاوز الحدود.

وفي ختام الفعالية، بدا واضحًا أن الرسالة الأساسية لم تكن مجرد الدفاع عن حرية الصحافة، بل إعادة تعريفها في عالم متغير.

فبين الضغوط السياسية، والتحديات الرقمية، والمخاطر الميدانية، تظل الحقيقة في اختبار دائم. لكن كما أكدت كلمات المشاركين، فإن الدفاع عنها ليس خيارًا، بل ضرورة.

وفي زمن تتزايد فيه محاولات إسكات الأصوات، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل يمكن للصحافة أن تستمر كحارس للحقيقة… أم أنها تخوض معركتها الأصعب حتى الآن؟

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *