مقال

فلسفة التدرج فى التشريع

 

بقلم :
د كامل عبد القوى النحاس

من أكثر القضايا التي يثيرها بعض المشككين في القرآن الكريم قضية الناسخ والمنسوخ.
وكثيراً ما تُطرح المسألة بطريقة توحي للقارئ غير المتخصص بأن القرآن يأمر بشيء ثم يعود فيأمر بضده، وكأن النص يتراجع عن نفسه أو يصحح أخطاء سابقة.
وحين يسمع بعض الناس هذا الطرح لأول مرة قد يظنون أنهم أمام إشكال حقيقي يصعب الجواب عنه، بينما تكمن المشكلة في الغالب في طريقة فهم القضية لا في القضية نفسها.

ولنتخيل شاباً قرأ آيتين تتحدثان عن حكم واحد في زمنين مختلفين، ثم قيل له إن إحدى الآيتين ناسخة للأخرى.
عندها قد يقفز إلى ذهنه سؤال يبدو له منطقياً:

إذا كان الحكم الأول صحيحاً فلماذا تغير؟ وإذا كان الثاني هو الصواب فلماذا لم ينزل منذ البداية؟

وهنا تبدأ الحيرة، ومنها تنشأ معظم الشبهات التي تتردد حول النسخ في القرآن الكريم.

غير أن هذه الحيرة تنطلق من افتراض خفي، وهو أن كل تغيير لا بد أن يكون اعترافاً بخطأ سابق، وهذا الافتراض ليس صحيحاً لا في حياتنا اليومية ولا في عالم التشريع.

فالنسخ في اصطلاح العلماء

هو رفع حكم شرعي بحكم شرعي متأخر عنه.

وقد أشار القرآن إلى هذا الأصل بقوله تعالى:

﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 106].

وهنا ينبغي أن ننتبه إلى أمر مهم، وهو أن النسخ لا يتعلق بأصول العقيدة والثوابت الكبرى، فلا ينسخ التوحيد ولا الإيمان بالله ولا أركان الأخلاق الأساسية، وإنما يقع في بعض الأحكام العملية المرتبطة بمراحل بناء المجتمع وتطور أوضاعه واستعداده لتحمل التكاليف.

ومن هنا يتضح أن النسخ شيء، والتناقض شيء آخر مختلف تماماً.

فالتناقض يعني أن يجتمع حكمان متضادان في وقت واحد وعلى الحالة نفسها بحيث يستحيل الجمع بينهما. أما النسخ فيعني أن يكون الحكم الأول صحيحاً في زمنه، ثم يأتي حكم آخر صحيح في زمنه أيضاً، فينتقل المكلف من أحدهما إلى الآخر وفق إرادة الشارع وحكمته.

ولكي تقترب الصورة من الذهن أكثر، تأمل حال الطبيب مع مريضه. فقد يصف له علاجاً معيناً في بداية المرض، ثم يغير الجرعة بعد أسبوعين، ثم يستبدل الدواء كله بعد شهر.
فهل يعني ذلك أن الطبيب كان جاهلاً حين كتب الوصفة الأولى؟
أم أن كل مرحلة من مراحل العلاج كانت مناسبة للحالة التي تمر بها صحة المريض؟

وتأمل حال المعلم مع تلاميذه. فهو لا يبدأ مع الطفل بكتب الجامعة، ولا يطالبه منذ اليوم الأول بما يطالب به طالب الدراسات العليا. بل ينتقل معه من مستوى إلى مستوى حتى يكتمل بناؤه العلمي.
فهل يسمى ذلك تناقضاً أم يسمى تدرجاً وتربية؟

بل إن الدول نفسها تطبق هذا المبدأ في حياتها المعاصرة. فقد تفرض إجراءات مؤقتة في مرحلة معينة، ثم تلغيها بعد زوال الظروف التي استدعتها.
ولا أحد يعد هذا اضطراباً أو تناقضاً، لأن الجميع يفهم أن لكل مرحلة متطلباتها.

وهذا هو المعنى الذي يغيب عن كثير ممن يثيرون شبهة النسخ.
فهم يقتطعون الأحكام من سياقاتها الزمنية والتاريخية، ثم يضعونها جنباً إلى جنب وكأنها صدرت كلها في لحظة واحدة وللظروف نفسها، فيتوهمون التعارض حيث لا يوجد تعارض.

والحقيقة أن القرآن لم ينزل على مجتمع مثالي يعيش في فراغ، بل نزل على أمة لها عاداتها الراسخة وأفكارها المتجذرة وأعرافها الممتدة عبر أجيال طويلة.
وكان المطلوب من هذا الوحي أن ينقل الناس من واقع معين إلى واقع أفضل، وأن يبني مجتمعاً جديداً دون أن يتجاهل طبيعة الإنسان وقدرته على التغيير.

ولهذا جاءت كثير من التشريعات في صورة تدرج حكيم يراعي النفوس ويهيئها للانتقال من حال إلى حال. فالشريعة لم تُرد مجرد إصدار أوامر ونواهٍ، وإنما أرادت صناعة الإنسان القادر على حمل هذه الأوامر والالتزام بها عن اقتناع واستقرار.

ولو تأملنا تاريخ التشريع الإسلامي لوجدنا أن هذا التدرج لم يكن علامة نقص، بل علامة كمال.
فالمربي الحكيم لا يطلب من الناس ما يعجزون عنه، والطبيب الماهر لا يفرض العلاج دفعة واحدة إذا كان التدرج أنفع للمريض، وكذلك جاءت الشريعة تراعي واقع الإنسان وتسير به خطوة بعد خطوة حتى يكتمل البناء.

ومن هنا نفهم لماذا لم تنزل الأحكام كلها دفعة واحدة منذ أول يوم. فلو فُرضت جميع التكاليف التفصيلية على مجتمع حديث العهد بالإسلام، مثقل بعادات الجاهلية وتقاليدها، لكان الامتثال أشق وأصعب.
أما التدرج فقد جعل الانتقال أكثر رسوخاً وأعمق أثراً وأبقى نتائج.

ولهذا فإن النسخ ليس وجهاً من وجوه الاضطراب التشريعي، بل هو أحد مظاهر الحكمة التشريعية. فالحكم الأول لم يكن خطأ، والحكم الثاني لم يأت لتصحيح خطأ، وإنما كان كل منهما مناسباً للمرحلة التي شرع فيها.

فالنسخ ليس اعترافاً بخطأ سابق، وليس تراجعاً عن حكم فاشل، وليس اضطراباً في الوحي، وإنما هو انتقال مدروس من مرحلة إلى مرحلة، ومن حكم يناسب ظرفاً معيناً إلى حكم يناسب ظرفاً آخر، حتى يبلغ التشريع غايته ويستقر في صورته الكاملة.

وإذا أدركنا هذه الحقيقة زال أصل الإشكال، وبقي أن نرى كيف تجلت هذه الحكمة على أرض الواقع. فليس هناك مثال يشرح فلسفة النسخ والتدرج التشريعي أوضح من قصة الخمر؛ ذلك الشراب الذي كان جزءاً أصيلاً من حياة العرب، حتى ظن كثيرون أن اقتلاعه من المجتمع أمر مستحيل.
ومع ذلك استطاع القرآن أن ينقل أمة كاملة من الإلف إلى الاجتناب، ومن التعلق إلى النفور، لا بالقهر والإكراه، بل بخطة تربوية وتشريعية متدرجة تكشف عن فهم عميق لطبيعة النفس البشرية.

وفي المقال القادم نتوقف أمام هذا النموذج الفريد لنرى كيف حارب القرآن عادةً عمرها قرون، وكيف تحولت قضية الخمر إلى واحدة من أبلغ الشواهد على أن النسخ ليس تناقضاً في الأحكام، بل حكمة في البناء والتغيير.

ahmdabwyhyy224@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *