مقال

فتيل


بقلم/نشأت البسيوني

في حياة الانسان لحظات صغيرة لا تبدو مهمة وقت حدوثها لكنها تظل تعمل في داخله مثل فتيل هادئ ينتظر لحظة الاشتعال وقد تكون كلمة سمعها منذ سنوات او موقفا مر به دون اهتمام او فكرة ظهرت في رأسه ثم اختفت لكنها لم تختف تماما بل ظلت موجودة في اعماقه حتى جاء وقتها وبدأت تكشف له اشياء لم يكن يراها من قبل والانسان لا يعرف دائما ما الذي يحدث داخله فقد يستيقظ

في يوم عادي ويشعر برغبة شديدة في تغيير شيء ما دون ان يعرف السبب وقد يجد نفسه يفكر في قرار قديم بطريقة مختلفة وقد يشعر فجأة ان المكان الذي كان يشعر فيه بالراحة لم يعد يشبهه وان الاشياء التي كانت تمنحه السعادة لم تعد تمنحه الشعور نفسه وهذا لا يعني ان الانسان تغير بطريقة سيئة بل يعني انه كبر وان التجارب التي مر بها تركت داخله معرفة جديدة وان نظرته

للحياة اصبحت مختلفة فهناك اشياء نحبها في مرحلة معينة لاننا نكون بحاجة اليها ثم نكتشف بعد سنوات اننا لم نعد نحتاجها بالطريقة نفسها وقد يظل الانسان فترة طويلة متمسكا بحياة اعتاد عليها فقط لانها مألوفة بالنسبة له فيخاف من تغييرها حتى لو كان يعرف في داخله انها لم تعد تمنحه الراحة التي يبحث عنها فالانسان كثيرا ما يخاف من المجهول اكثر مما يخاف من التعب الذي يعرفه

وقد يقول لنفسه ان البقاء اكثر امانا وان الوقت غير مناسب وان الظروف لا تسمح وان عليه ان ينتظر قليلا ثم يمر يوم وراء يوم وشهر وراء شهر ويكتشف ان الانتظار تحول الى سنوات وان الحياة التي كان يؤجل تغييرها اصبحت جزءا من عمره وهنا يبدأ السؤال الحقيقي ماذا لو كان الخوف هو الشيء الوحيد الذي يمنعني من البداية وهذا السؤال قد يكون ثقيلا على القلب لانه يجعل الانسان

امام نفسه مباشرة فلا يستطيع ان يلوم الظروف كلها ولا يستطيع ان يحمل الآخرين مسؤولية كل شيء ويبدأ في اكتشاف ان بعض القيود التي عاش داخلها كانت من صنع خوفه هو فالخوف قد يجعل الانسان يرفض فرصة جيدة لانه يخشى الفشل وقد يجعله يتمسك بعلاقة انتهت لانه يخشى الوحدة وقد يجعله يؤجل حلمه لانه يخشى كلام الناس وقد يجعله يختار الصمت في وقت يحتاج

فيه الى الكلام ومع مرور الوقت يتعلم الانسان ان الخوف لا يختفي دائما قبل ان نتحرك بل قد يظل موجودا ونحن نتحرك ومع ذلك نستطيع ان نكمل فالشجاعة ليست ان لا يخاف الانسان بل ان يعرف كيف يتحرك رغم خوفه وهذا ما يجعل البدايات صعبة وجميلة في الوقت نفسه لان الانسان في البداية لا يملك الكثير من الضمانات لكنه يملك الرغبة في ان يعيش بطريقة مختلفة وقد يبدأ

بخطوة صغيرة جدا وقد يغير عادة وقد يتعلم شيئا جديدا وقد يعتذر عن خطأ وقد يبتعد عن مكان يؤذيه وقد يعود الى حلم قديم وقد يقرر فقط ان يتوقف عن الكذب على نفسه لكن هذه الخطوة الصغيرة قد تكون بداية لحياة كاملة مختلفة فالتحولات الكبيرة لا تبدأ دائما بضجيج فقد تبدأ بقرار هادئ يتخذه الانسان وهو وحده ولا يعرف عنه احد وقد يكون اجمل ما في هذه القرارات انها لا

تحتاج الى تصفيق لان الانسان لا يتغير حتى يراه الآخرون بل يتغير لانه تعب من ان يعيش بعيدا عن نفسه ومع هذه البداية يبدأ في اكتشاف جوانب لم يكن يعرفها عن شخصيته فيجد انه قادر على تحمل اشياء كان يظنها فوق طاقته ويجد انه يستطيع ان يبدأ من جديد بعد الخسارة ويكتشف ان الوحدة ليست نهاية العالم وان رفض الآخرين ليس نهاية قيمته وان الفشل لا يعني انه انسان

فاشل ويتعلم ايضا ان الحياة لا تمنح احدا ضمانا قبل التجربة فمن يريد ان يبدأ مشروعا لن يعرف كل ما سيحدث ومن يريد ان يغير عمله لن يعرف كل النتائج ومن يريد ان يخرج من علاقة مؤذية لن يعرف كيف ستكون الايام بعد الرحيل لكن الانسان لا يستطيع ان ينتظر معرفة المستقبل كله حتى يسمح لنفسه بالعيش ولهذا يصبح القرار احيانا هو الطريقة الوحيدة لاكتشاف الطريق فقد لا تعرف ان

المكان يناسبك حتى تذهب اليه وقد لا تعرف قدرتك حتى تختبرها وقد لا تعرف قوتك حتى تمر بمرحلة تحتاج فيها اليها وقد لا تعرف قيمة نفسك حتى تتوقف عن قبول ما يقلل منها ومع مرور السنوات يبدأ الانسان في فهم ان الحياة لا تسير دائما كما خطط لها وان بعض ما يراه اليوم نهاية قد يكون بداية وان بعض ما يراه خسارة قد يكون حماية وان بعض ما يراه تأخيرا قد يكون فرصة حتى

يصبح اكثر استعدادا وهنا يتغير تعامله مع الماضي فبدلا من ان يظل يسأل نفسه لماذا حدث هذا يبدأ في سؤال نفسه ماذا تعلمت مما حدث وبدلا من ان يظل غاضبا من الشخص الذي خذله يبدأ في فهم الدرس الذي تركته تلك التجربة وبدلا من ان يظل نادما على قرار قديم يبدأ في التفكير في القرار الجديد الذي يستطيع اتخاذه الآن وهذا لا يعني ان الماضي يصبح جميلا فجأة ولا يعني ان

الجروح تختفي بمجرد ان نفهمها لكن فهم التجربة يمنح الانسان قدرة على التعامل معها دون ان تظل تسيطر على حياته فالجرح الذي نتعلم منه يمكن ان يتحول الى خبرة والخسارة التي نفهمها يمكن ان تتحول الى حكمة والخطأ الذي نعترف به يمكن ان يتحول الى بداية مختلفة والانسان الذي يسامح نفسه يستطيع ان يكمل الطريق بقدر اكبر من السلام وقد يحتاج الانسان الى سنوات حتى

يفهم ان اكبر معركة عاشها لم تكن مع الناس بل كانت مع الصورة التي حاول ان يحافظ عليها امامهم كان يريد ان يبدو قويا دائما وكان يخاف ان يظهر تعبه وكان يرفض الاعتراف بانه يحتاج الى مساعدة وكان يضحك في الوقت الذي كان فيه قلبه يحتاج الى ان يبكي وكان يقول انا بخير حتى لا يفتح بابا للكلام ثم اكتشف ان القوة الحقيقية ليست في اخفاء التعب دائما بل في الاعتراف به

والتعامل معه بطريقة صحيحة وان الانسان لا يقل قيمة عندما يقول لا استطيع ولا يفقد كرامته عندما يطلب المساعدة ولا يصبح ضعيفا عندما يعترف بانه تألم بل ربما تكون هذه الاعترافات هي بداية التصالح مع النفس ومع هذا التصالح يبدأ الانسان في التعامل مع حياته بطريقة مختلفة فيتوقف عن مقارنة نفسه بالآخرين

ويعرف ان لكل انسان ظروفه وتوقيته وقدراته وان الوصول المتأخر لا يعني الفشل فقد يصل شخص الى حلمه في عمر صغير ويكتشف بعد ذلك انه لم يكن يعرف ماذا يريد وقد يتأخر شخص اخر سنوات ثم يصل وهو يعرف قيمة ما وصل اليه وقد يعيش انسان حياة هادئة لا يراها الناس نجاحا لكنها بالنسبة له مليئة بالرضا وقد يملك انسان كل مظاهر النجاح لكنه يعيش في داخله

صراعا لا يعرفه احد لذلك يصبح من الظلم ان يقيس الانسان حياته بحياة غيره والاهم ان يعرف ما الذي يريده هو ليس ما يريده الناس منه وليس ما يجعلهم يصفقون له وليس ما يجعله يبدو ناجحا امامهم بل ما يجعله يشعر انه يعيش حياة يستطيع ان يحترمها عندما يكون وحده وهنا يصبح الصدق مع النفس من اهم الاشياء التي يحتاجها الانسان فقد يستطيع الانسان ان يستمر في

طريق لا يحبه لسنوات لكنه في لحظة صدق واحدة يعرف انه لم يعد يريد الاستمرار وقد يستطيع ان يبقى في علاقة انتهت من الداخل لانه يخاف من الاعتراف بالنهاية وقد يستمر في وظيفة تستنزفه لانه يخاف من تجربة جديدة وقد يؤجل حلمه حتى يصبح التأجيل هو الشيء الوحيد الذي يعرفه لكن الحياة لا تتغير بالتمني وحده لابد من خطوة ولابد من قرار ولابد من استعداد

لتحمل بعض الخوف وعندما يخطو الانسان اول خطوة قد يكتشف ان الشيء الذي كان يخشاه لم يكن بالقوة التي تصورها وقد يكتشف ان الناس الذين خاف من كلامهم انشغلوا بحياتهم وقد يكتشف ان الطريق الجديد يحتاج الى صبر لكنه يمنحه شيئا لم يكن يملكه من قبل وقد يكتشف انه كان قادرا على البدء منذ وقت طويل لكنه كان ينتظر اذن شخص لن يأتي ومع كل خطوة يزداد

وضوح الطريق فالانسان لا يحتاج الى معرفة المستقبل كله يكفي ان يعرف ما الذي يجب ان يفعله الآن ثم يخطو ثم يتعلم ثم يعيد ترتيب خطته ثم يخطو مرة اخرى وهكذا تصنع الحياة نفسها من خطوات صغيرة لا ننتبه الى قيمتها وقت حدوثها وفي مرحلة ما يلتفت الانسان الى الوراء فيجد انه لم يعد ذلك الشخص الذي كان يخاف من البداية يجد انه تغير ليس لان الحياة اصبحت اسهل بل

لانه اصبح اكثر قدرة على التعامل معها لم تعد الخسارة تعني له النهاية ولم يعد الرفض يعني له انعدام القيمة ولم يعد التغيير يعني له الرعب ولم يعد الرحيل يعني له الهزيمة بل اصبح يرى في كل تجربة فرصة لفهم نفسه بصورة اعمق وهنا يكتشف ان ذلك الفتيل الصغير الذي ظل مشتعلا في داخله طوال السنوات لم يكن يريد ان يحرق حياته كما كان يخشى بل كان يريد ان يضيء له ما كان

مخفيا عنه كان يريد ان يقول له ان العمر لا ينتظر وان القلب لا يستطيع ان يعيش طويلا ضد ما يؤمن به وان الانسان يحتاج احيانا الى ان يعيد ترتيب حياته حتى يستطيع ان يتنفس وان البداية الجديدة ليست عيبا وان تغيير الطريق ليس فشلا وان الاعتراف بالحقيقة ليس ضعفا وان اجمل ما يمكن ان يفعله الانسان لنفسه هو ان يمنحها فرصة حقيقية فرصة للراحة وفرصة للتعلم

وفرصة للحب وفرصة للحلم وفرصة للخطأ وفرصة للبدء من جديد يعرف الانسان ان الاشتعال الحقيقي ليس ذلك الذي يراه الناس من الخارج بل ذلك الضوء الذي يولد داخله عندما يقرر للمرة الاولى ان يعيش بصدق عندما يتوقف عن تأجيل نفسه وعندما يترك الخوف في مكانه وعندما يمضي دون ان يعرف كل الاجابات وعندما يؤمن ان الطريق لا يحتاج الى ان يكون واضحا بالكامل حتى يبدأ وعندما

يقرر ان ما تبقى من عمره يستحق ان يعيشه بطريقة مختلفة عندها لا يعود الفتيل مجرد شعور صغير داخل القلب بل يصبح بداية نور طويل يعرف الانسان من خلاله ان الحياة لم تنته عند ما خسره وان ما مضى لم يكن عبثا وان ما بقي يمكن ان يكون اجمل وان الانسان يستطيع في اي وقت ان يشعل بدايته من جديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى