مقال

غياب الأب بعد الانفصال… حين يدفع الأبناء الثمن

بقلم/ روان محمد إبراهيم

لم يعد غياب الأب بعد الانفصال مجرد مسألة شخصية تخص طرفين انتهت علاقتهما، بل أصبح ظاهرة لها آثار عميقة تمتد إلى بنية المجتمع نفسه. فحين ينسحب الأب من حياة أبنائه، لا يترك خلفه فراغًا عابرًا، بل يخلق فجوة نفسية وتربوية يصعب سدّها.

المشكلة لا تكمن فقط في الغياب الجسدي، بل في غياب الدور. فالأب بالنسبة للطفل ليس مجرد مصدر إنفاق، بل هو نموذج للسلوك، وصوت للسلطة المتزنة، وركيزة أساسية في بناء الشعور بالأمان. ومع ذلك، يتعامل بعض الآباء مع الانفصال وكأنه نهاية لكل التزاماتهم، فيختزلون الأبوة في حدود النفقة، أو يتخلون عنها تمامًا.

 

ولا يمكن تجاهل التأثير الأعمق لهذا الغياب، خاصة على الأبناء الذكور. فالولد يتعلم معنى الرجولة من أبيه، لا من خلال التوجيه المباشر فقط، بل من خلال الملاحظة والتقليد. يتعلم كيف يتصرف، كيف يواجه، كيف يضبط انفعالاته. وفي غياب هذا النموذج، يجد نفسه أمام فراغ يحاول ملأه بأي صورة متاحة، وقد لا تكون دائمًا صحيحة.

هذا لا يعني أن غياب الأب يحكم على الأبناء بالفشل، لكنه بلا شك يضعهم في اختبار أصعب، ويحرمهم من أحد أهم مصادر التوازن النفسي والسلوكي. وفي المقابل، فإن حضور الأب بعد الانفصال—قادر على صنع فارق حقيقي، ليس فقط في حياة أبنائه، بل في تشكيل جيل أكثر استقرارًا.

 

وللإنصاف، لا يمكن إغفال أن بعض الآباء يُقصَون عن أبنائهم قسرًا، بسبب صراعات أو تعقيدات قانونية أو خلافات تتجاوز إرادتهم. وهنا تتحول المشكلة من تقصير فردي إلى خلل يحتاج إلى مراجعة مجتمعية أوسع، تضمن حق الطفل في وجود كلا الوالدين في حياته.

 

في النهاية، الأبوة ليست علاقة مرتبطة باستمرار الزواج، ولا دورًا يمكن التنازل عنه عند أول خلاف. إنها مسؤولية ممتدة، واختيار يومي بين الحضور والغياب.
والفرق بينهما… جيل ينشأ متوازنًا، وآخر يدفع ثمنًا لم يكن طرفًا فيه.

ahmdabwyhyy224@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *